الشيخ حسن المصطفوي

54

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

الدعاء - سجد لك عظمي ولحمي وشعري . . . راجع الظلّ . وكما أنّ الظِلّ من الساجد يسجد : الظِلّ من المسجود أيضا يسجد بالتبع ، لكونه وجها ومظهرا ومجلى ، فالوجه من حيث إنّه وجه : ليس فيه أنانيّة : * ( ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ) * - 7 / 11 . * ( فَإِذا سَوَّيْتُه ُ وَنَفَخْتُ فِيه ِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ُ ساجِدِينَ ) * - 15 / 29 . * ( قالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَه ُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) * - 15 / 33 . فجهل إبليس حقيقة الحال وغفل عن وجه الربّ ولم يتوجّه إلى الروح الَّذي ينفخ من روحه ، بل توجّه إلى جهة الظاهر الجسمانيّ المادّيّ . نعم هذا المقام من مزالّ أقدام العارفين : فانّ المعرفة بالمظهريّة وكونه وجها ، إنّما يتوقّف على معرفة المبدأ عزّ وجلّ ، حتّى يصحّ مشاهدة وجهه وجماله ونور كبريائه ، ولا سيّما إذا كان الوجه مظهرا تامّا . وقد زلَّت أفكار الملائكة أيضا في هذا المقام - . * ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ ) * . . . . * ( يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ ) * . . . . * ( قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ) * - 2 / 33 . فلمّا عرّفّهم مقام آدم وشاهدوا مظهريّته التامّة للأسماء : سجدوا له في المرحلة الثانية - . * ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) * - 15 / 30 . ولا يخفى أنّ الملائكة لمّا كانوا متنوّعين من جهة الذوات والمظهريّة ، ولكلّ نوع منهم وجهة خاصّة به واستعداد مخصوص وليس فيهم ما للإنسان من الجامعيّة والتماميّة : فلم يكونوا مستغنين عن تعريف مقام آدم ، بعد معرفة اللَّه تعالى على مقدار استعدادهم ووسعهم - منهم سُجود لا يَركعون ورُكوع لا يَنتصِبون وصافّون لا يَتزايَلون ومسبّحون لا يسأمون . وأمّا الإنسان : فله استعداد ومظهريّة جامعة تامّة ، وقابل لأن تتجلَّى فيه الصفات الإلهيّة ، وأن يكون وجها كاملا للحقّ تعالى ، فمعرفة اللَّه عزّ وجلّ كاف في معرفة الإنسان الكامل - اللَّهمّ عرّفني نفسك فانّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف