الشيخ حسن المصطفوي
228
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
فإذا كان وجوده تعالى متعاليا عن أيّ حدّ : فهو نور مطلق وحياة مطلق وإرادة مطلق وقدرة مطلق وعلم مطلق . فهذه الصفات إنّما هي منتزعة ومستخرجة ومعتبرة عن تلك الذات البحت والنور المطلق والوجود الحقّ ، في المرتبة الثانية وفي مقام الاعتبار . وإلَّا فذاته المتعال عين هذه الصفات ، ولا تغاير فيه بأيّ وجه . فهذه الصفات المنتزعة المعنونة : إنّما هي لتعريف الذات وبيان حاقّ النور المطلق الغيبيّ ، لا في مقام بيان الحقيقة والتغاير . 8 - فظهر أنّ كلَّما يتجلَّى ويتظهّر في عالم الوجود ، في أيّ مرتبة ومقام ، من أيّ صفة وخصيصة : إنّما هو أثر وظهور من صفات المبدأ المتعال . وثبت من العقل بأنّ فاقد شيء لا يكون معطيا له . فما يرى في العالم من الحكمة والقدرة والعلم والإرادة والحياة والنور والرحمة والقهر والغفران والقبض والبسط والحلم والعدل والعزّة والسمع والأبصار والإدراك والهداية واللطف والرشاد والصبر والدوام والبقاء والسعة والظهور والبطون والملك والهبة وغيرها من محاسن الصفات وجميل الخصائص : فانّما هو من آثار وجوده ومظاهر صفاته تعالى . * ( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَه ُ ثُمَّ هَدى ) * - 20 / 50 . أي بالهداية التكوينيّة وتتميم الخصائص الذاتيّة ثمّ بالتشريع على طبقها تأكيدا لها . فظهر أنّ كلّ موجود إنّما هو مظهر لصفة من الصفات العليا في التكوين ، وأمّا الإنسان فهو يستعدّ لأن يكون مظهرا لجميع الصفات الإلهيّة ، كما قيل : وأنت الكتاب المبين الَّذي فيه ينطوي العالم الأكبر . فينطوي في وجود الإنسان جميع الصفات ، ويقرأ في كتاب نفسه جميع الكلمات الدالَّة على الظهورات والتجلَّيات والمراتب ، ويستعدّ بأن يشاهد في وجوده قاطبة الأسماء التكوينيّة ، فانّه مظهر تامّ للصفات ، ومجمع كامل للأسماء ، ومرآة تري مراتب الأنوار والحقائق .