الشيخ حسن المصطفوي
124
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
وأمّا مفاهيم مطلق البراءة والخلوة والانفراد والتعرّى والمضىّ والترك ونظائرها : فليست من الحقيقة ، بل معاني مجازيّة . وليعلم أنّ المعنى المذكورة للمادّة المعتلَّة بالواو ، وقد خلطوا بين هذه المادّة وبين المعتلَّة بالياء ، والمهموزة فانّ الخلي يائيّا بمعنى الجزّ ، ومنه المخلاة بمعنى ما يجعل فيه الخلي اى النبات والعشب المجزوز ويعلق على عنق الدابّة . والخلأ مهموزا بمعنى الاستقرار فيقال خلأ فيه أي لم يبرح مكانه . وان من امّة الَّا خلا فيها نذير ، رسول قد خلت من قبله الرسل ، قد خلت من قبلها أمم ، وقد خلت القرون من قبلي ، وقد خلت سنّة الأوّلين ، قد خلت من قبلكم سنن ، تلك امّة قد خلت لها ما كسبت ، قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجنّ والانس في النار - 7 / 38 - فيراد فراغهم عمّا عليهم من الشغل والوظيفة ، وانتهاء جريانهم في أمورهم الدنيويّة ، وبلوغهم إلى غاية ما لهم من المقرّرات والمقدّرات . وكذلك السنن في بلوغها إلى غاياتها ، وتفرّغها وتماميّتها في جريانها . فقد عبّر في هذه الموارد بهذه المادّة : فانّ المنظور فيها هو الإشارة إلى جريان الأمور والبلوغ إلى غاياتها . وأمّا إذا كان المنظور هو الإشارة إلى موضوع بنفسه قد سبق : فيعبّر بمادّة المضىّ كما في آية 9 / 39 - . * ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ) * - اى ابتلاؤهم وهلاكهم فظهر لطف التعبير بالمادّة في الآيات الكريمة ، وأكثر المفسّرين قد غفلوا عن هذه اللطيفة ولم يفرّقوا بين الموردين .