الشيخ حسن المصطفوي
90
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
جعلناها لكم من شعائر اللَّه ، لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم . وقد يكون التقدير من المخلوق - كما في : يجعلون أصابعهم في آذانهم ، يجعلون مع اللَّه إلها آخر ، أجعل بينكم وبينهم ردما ، جعل السقاية في رحل أخيه ، فاجعل لي صرحا لعليّ أطَّلع . والحاصل أنّ الجعل إنّما يتحقّق مفهومه إذا استعمل منسوبا إلى آثار التكوين أو لوازمه أو خواصّه أو فيما يتعلق عليه ، فانّ التقدير وما يقرب منه كالتدبير والتنظيم والحكم ( ويجمعها مفهوم الجعل فانّه أعمّ ) إنّما يكون بعد الخلق والتكوين . وأمّا ما يقال في تفسيره : من الخلق والصنع والتسمية والتصيير والإعطاء وأمثال ذلك : فانّما هو تفسير بمناسبة المورد ، وليس من الحقيقة بشيء ، وحقيقة الجعل هو ما يقرب من التقدير والتقرير ، وهو تصيير الشيء على حالة . وأمّا إطلاق الجعول على ولد النعام : فانّ النعام ( شتر مرغ ) يقال في حقّه إنّه لا يسمع صوتا ولا يشرب ماء ، والشامّة منه قويّة جدّا ويدرك بها ما لا يدركه بالسمع سائر الحيوانات في الجملة ، فلا بدّ أنّ ولده من أوّل نشوئه يكون مدبّرا ومتفكرا في أموره ، ومقدّرا معايشه وأطوار حياته . وأمّا الجعل بمعنى الأجر : فهو من الأصل ، وهو ما يقرّر بين الأجير ومن يعمل له أي حقّ عمله وأجره المقدّر قبل العمل . وأمّا الخرقة : فانّها أحسن وسيلة مقدّرة لتنزيل القدر الكبير والساخن من الأثافيّ إلى الأرض . وأمّا الجعل بمعنى النخل : فانّه كما في اللسان قصار النخل أو أنّه من النخل كالبعل . وكلّ واحد منهما يحتاج إلى الإصلاح والتدبير . ثمّ إنّه لا يخفى ما في مفهوم الجعل من التقدير والتدبير : فكل مورد من الآيات الكريمة يذكر فيه لفظ الجعل ، ففيه مفهوم التقدير والتدبير مقرّر ، فلا يرد إشكال بالنسبة إلى جعل ممّا جعله اللَّه في أيّ مورد .