الشيخ حسن المصطفوي
206
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو حالة الاعتدال الحاصلة بعد افراط أو زيادة أو بعد أو تجاوز . وهذا المعنى يتفاوت باختلاف موارده وخصوصيّات مصاديقه ، فتستعمل تارة بمناسبة في مفهوم الرجوع ، وتارة بمعنى النقصان ، وتارة بمعنى القرب باعتبار الخروج عن الافراط والبعد والزيادة وقربه من الاعتدال ، وتارة بمعنى القصد فانّ القصد في الأمر هو التوسّط والاعتدال والاختيار بالخروج عن الافراط ويقال الحارية للأفعى الَّتي قد نقص جسمها بعد الكبر ، وأحراه أي أنقصه . وحرى الرجل ما حوله ، وذلك باعتبار ما يناسبه وما يقرب منه . والحريّ هو الأحقّ والخليق والمناسب ، وذلك باعتبار مفهوم الاعتدال . وأمّا الحروة بمعنى الحرارة والحدّة في طعم ما يؤكل : فالظاهر أنّ استعمال اللفظ في هذا المفهوم في مورد كان المطعوم في طرف الافراط من الحدّة والحرقة كالفلفل وأمثاله ، ثمّ يوجد في المذاق منه طعم معتدل . وأمّا التحرّي فهو تفعّل للقبول ، أي التوسّط والتقرّب من الاعتدال وصيرورته في حالة معتدلة ، وهذه الحالة تقتضي طلب ما هو حريّ وخليق . ويقال : تحرّى فيه أي طلب وقصد شيئا ، وتحرّى عنه أي فتّش عن أمر . ويدل على ما فسّرناه من معنى المادّة : مفهوم مادّة رحى وهو الحومة والدائرة والجماعة ، ومفهوم الريح والراحة ، ومفهوم الحور أي الرجوع . * ( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ) * - 72 / 14 . أي وقعوا في حالة معتدلة من جهة الرشد ، فالرشد تمييز لا مفعول به ، والفعل لازم ، ويؤيّد هذا المعنى وقوع هذه الكلمة في مقابل القاسطين أي المتجاوزين عن التوسّط والعدالة . وأيضا إنّ من أسلم فهو واقع في مقام الاعتدال والرشد ، لا أنّه يطلب الرشد