الشيخ حسن المصطفوي
199
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
وأمّا حروف التهجّي : فباعتبار انتهاء الكلمة إليها ، كالنقطة من الخطَّ . وأمّا المحراف : فهو آلة بها يتعدّى إلى أطراف الجراحة للسبر والتقدير . ولا يبعد أن نقول : إنّ المأخوذ في مفهوم هذه المادّة قيدان ، قيد الطرف وقيد العدول والخروج عن الموضع . فيكون مفهوم المادّة عبارة عن عدول شيء عن موضعه واستقراره في الطرف ، أو جعل شيء في الطرف عن موضعه . وبملاحظة هذين القيدين قد يغلب عليها الانحراف والميل ويكون النظر في المرتبة الأولى إلى العدول ، وقد يغلب عليها جهة الوقوع في الطرف . وبهذا القيد يظهر الفرق بين الحرف والطرف والجنب - راجع الجنب . * ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِه ِ ) * - 4 / 46 . أي يجعلون الكلمات والجملات خارجة عمّا وضعت لها وفيها ويضعونها في أطراف تلك المواضع ، وهذا التحريف إمّا من جهة المعنى فيكون المراد من المواضع المصاديق ، أو من جهة الظاهر والمكان والمحلّ لها فيكون المراد تغيير محالَّها إلى أطراف تلك المواضع . وأمّا تبديل الكلمة بكلمة أخرى : فليس بتحريف . ثمّ إنّ الطرف في كلّ شيء بالنسبة إليه ، فصدق التحريف عن المواضع : إنّما يتحقّق إذا وقع الخروج والعدول عن المواضع إلى أطرافها ، لا التجاوز عن الأطراف ، ولا أن يتبدّل الموضوع المحرّف . * ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِه ِ ) * - 5 / 44 . أي يبتدئ زمان تحريفهم من أوّل زمان تثّبت الكلم وتحقّقها ، أي بعد أن ثبتت الكلم لفظا ومعنى ومصداقا ومفهوما وموضعا وعملوا بها : شرعوا في التحريف ، وهذا كما في الآية الكريمة : * ( يَسْمَعُونَ كَلامَ ا للهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَه ُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوه ُ ) * - 2 / 75 . أي بعد زمان ثبوت الكلام في موضعه وتعقّلهم وعلمهم به . فلا يخفى لطف التعبير بالتحريف دون التبديل والتغيير : فانّ التبديل في كلمة أو كلام غير ممكن عادة مع تعدّد النسخ وانتشارها .