المزي
62
تهذيب الكمال
المئين إلا من أعطى في رسلها ونجدتها ، وأطرق فحلها ، وأفقر ظهرها ، ونحر سمينها فأطعم القانع والمعتر " قال : قلت : يا رسول الله ما أحسن هذه الاخلاق وأجملها إنه لا يحل بالوادي الذي أنا فيه من كثرة إبلي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فكيف تصنع في العارية ؟ " قال : قلت : تغدو الإبل ويغدو الناس ، فمن أخذ برأس بعير ذهب به . قال : فكيف تصنع في الأفقار ؟ قال : قلت : إني لأفقر حتى الضرع البكر والناس والمدبر . قال : فكيف تصنع في المنيحة ؟ قال : قلت : والله إني لأمنح حتى المئة . قال : فمالك أحب إليك أم مال مواليك ؟ قال : قلت : بل مالي . قال : مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت ، أو أعطيت فأمضيت ، وما بقي فلمواليك . قال : قلت : الموالي ؟ قال : نعم . قال : قلت : والله إذا لأقلن عددها . قال الحسن : ففعل ، فلما حضرته الوفاة قال : يا بني اسمعوا مني فإنكم لا تجدون أحدا أنصح لكم مني : إذا أنا مت فسودوا كباركم ، ولا تسودوا صغاركم ، فيستجهل الناس أحلامكم وتهونوا عليهم ، وعليكم باستصلاح المال فإنه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم ، وإياكم والمسألة فإنها آخر كسب المرء لم يسأل أحد قط إلا ترك كسبه ، وإياكم والنياحة ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنها ، وإذا أنا مت فادفنوني في ثيابي هذه التي كنت أصلي فيها وأذكر الله فيها ، وادفنوني في موضع لا يعلم بي أحد فإنه كانت بيننا وبين بكر بن وائل خماشات في الجاهلية ، فأخاف أن يدخلوها عليكم في الاسلام ، فيفتنوا عليكم دينكم . قال الحسن : كان ناصحا في حياته ناصحا في مماته .