السيد حسين بن محمدرضا البروجردي
349
تفسير الصراط المستقيم
فيفرق بينهما في الاستعمال يقال : ما أعماه من عمى القلب ، ولا يقال ذلك في العين وإنّما يقال ما أشدّ عماه ، وهو بالمعنى الأوّل معقول صرف فاستحقّ التأخير لذلك ، ودعوى الحقيقة فيهما وإن كانت ممنوعة إلَّا أنّ الثلاثة تستعمل لفقد كلّ من المشاعر الجسمانيّة والإيمانيّة وإن كانت على الوجهين من قوى النفس ، إلَّا أنّها على الأوّل للحسية الحيوانية وعلى الثاني للناطقة القدسية . ثمّ أن الثلاثة قرأت بالنصب على الحال من مفعول * ( تَرَكَهُمْ ) * * ( . . . فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) * إلى الهدى بعد أن باعوه ، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها ، فان الرجوع إلى الشّيء هو الانصراف إليه بعد الذهاب عنه ، وعنه هو الانصراف عنه بعد الذهاب إليه ، وذلك في الدّنيا لاستحكام الطبع على قلوبهم ، فكأنّهم مسخوا بهائم كما قال : * ( ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ ) * « 1 » أي لا يستطيعون مضيّا إلى الدّرجات الرفيعة الإيمانية ولا رجوعا إلى فطرتهم الأصلية كي يجدّدوا العمل في مهل الأجل ، وفي الآخرة بامتناع العود إلى الدنيا ، وإن التمسه القائل منهم بقوله : * ( رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ) * « 2 » نعم قد يقال لهم : * ( ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ) * « 3 » سخريّة بهم حيث يقولون * ( لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) * « 4 » . وربما يحتمل إرادة كونهم بمنزلة المتحيّرين الَّذين بقوا جامدين في مكاناتهم لا يرجعون ، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون . قيل : وهذا يناسب عود الضمير للمستوقدين والعطف بالفاء للاشعار على
--> ( 1 ) يس : 68 . ( 2 ) مؤمنون : 99 - 100 . ( 3 ) الحديد : 13 . ( 4 ) الحديد : 13 .