عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
94
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
ضَرَبُوه لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 ) * ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً ) * أي ضربه ابن الزبعري لما جادل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم في قوله تعالى : * ( إِنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه حَصَبُ جَهَنَّمَ ) * أو غيره بأن قال النصارى أهل كتاب وهم يعبدون عيسى عليه السلام ويزعمون أنه ابن اللَّه والملائكة أولى بذلك ، أو على قوله تعالى : * ( وسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ) * أو أن محمدا يريد أن نعبده كما عبد المسيح . * ( إِذا قَوْمُكَ ) * قريش * ( مِنْه ) * من هذا المثل . * ( يَصِدُّونَ ) * يضجون فرحا لظنهم أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم صار ملزما به . وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالضم من الصدود أي يصدون عن الحق ويعرضون عنه . وقيل هما لغتان نحو يعكف ويعكف . * ( وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ) * أي آلهتنا خير عندك أم عيسى عليه السلام فإن يكن في النار فلتكن آلهتنا معه ، أو آلهتنا الملائكة خير أم عيسى عليه السلام فإذا جاز أن يعبد ويكون ابن اللَّه كانت آلهتنا أولى بذلك ، أو آلهتنا خير أم محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم فنعبده وندع آلهتنا . وقرأ الكوفيون « أآلهتنا » بتحقيق الهمزتين وألف بعدهما . * ( ما ضَرَبُوه لَكَ إِلَّا جَدَلاً ) * ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل والخصومة لا لتمييز الحق من الباطل . * ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) * شداد الخصومة حراص على اللجاج . إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْه وجَعَلْناه مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ ( 60 ) * ( إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْه ) * بالنبوة . * ( وجَعَلْناه مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ) * أمرا عجيبا كالمثل السائر لبني إسرائيل ، وهو كالجواب المزيح لتلك الشبهة . * ( وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ ) * لولدنا منكم يا رجال كما ولدنا عيسى من غير أب ، أو لجعلنا بدلكم . * ( مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ ) * ملائكة يخلفونكم في الأرض ، والمعنى أن حال عيسى عليه السلام وإن كانت عجيبة فإنه تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك ، وأن الملائكة مثلكم من حيث إنها ذوات ممكنة يحتمل خلقها توليدا كما جاز خلقها إبداعا ، فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب إلى اللَّه سبحانه وتعالى . وإِنَّه لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّه لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 62 ) * ( وَإِنَّه ) * وإن عيسى عليه السلام . * ( لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) * لأن حدوثه أو نزوله من أشراط الساعة يعلم به دنوها ، أو لأن احياء الموتى يدل على قدرة اللَّه تعالى عليه . وقرئ « لعلم » أي لعلامة ولذكر على تسمية ما يذكر به ذكرا ، وفي الحديث ينزل عيسى عليه السلام على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها أفيق وبيده حربة يقتل بها الدجال ، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة الصبح فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى عليه السلام ويصلي خلفه على شريعة محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ، ويخرب البيع والكنائس ، ويقتل النصارى إلا من آمن به . وقيل الضمير للقرآن فإن فيه الإعلام بالساعة والدلالة عليها . * ( فَلا تَمْتَرُنَّ بِها ) * فلا تشكن فيها . * ( واتَّبِعُونِ ) * واتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي . وقيل هو قول الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم أمر أن يقوله . * ( هذا ) * الذي أدعوكم إليه . * ( صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) * لا يضل سالكه . * ( وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ ) * عن المتابعة . * ( إِنَّه لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) * ثابت عداوته بأن أخرجكم عن الجنة وعرضكم للبلية .