عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
85
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
الثالث لأنه قسيم المشترك بين القسمين ، ولم يحتج إليه الرابع لإفصاحه بأنه قسيم المشترك بين الأقسام المتقدمة . * ( إِنَّه عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) * فيفعل ما يفعل بحكمة واختيار . وما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَه اللَّه إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِه ما يَشاءُ إِنَّه عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 51 ) * ( وَما كانَ لِبَشَرٍ ) * وما صح له . * ( أَنْ يُكَلِّمَه اللَّه إِلَّا وَحْياً ) * كلاما خفيا يدرك لأنه بسرعة تمثيل ليس في ذاته مركبا من حروف مقطعة تتوقف على تموجات متعاقبة ، وهو ما يعم المشافه به كما روي في حديث المعراج ، وما وعد به في حديث الرؤية والمهتف به كما اتفق لموسى في طوى والطور ، ولكن عطف قوله : * ( أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ) * عليه يخصه بالأول فالآية دليل على جواز الرؤية لا على امتناعها . وقيل المراد به الإلهام والإلقاء في الروع أو الوحي المنزل به الملك إلى الرسل فيكون المراد بقوله : * ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِه ما يَشاءُ ) * أو يرسل إليه نبيا فيبلغ وحيه كما أمره ، وعلى الأول المراد بالرسول الملك الموحي إلى الرسل ، ووحيا بما عطف عليه منتصب بالمصدر لأن * ( مِنْ وَراءِ حِجابٍ ) * صفة كلام محذوف والإرسال نوع من الكلام ، ويجوز أن يكون وحيا ويرسل مصدرين و * ( مِنْ وَراءِ حِجابٍ ) * ظرفا وقعت أحوالا ، وقرأ نافع * ( أَوْ يُرْسِلَ ) * برفع اللام . * ( إِنَّه عَلِيٌّ ) * عن صفات المخلوقين . * ( حَكِيمٌ ) * يفعل ما تقتضيه حكمته فيكلم تارة بوسط ، وتارة بغير وسط إما عيانا وإما من وراء حجاب . وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ ولا الإِيمانُ ولكِنْ جَعَلْناه نُوراً نَهْدِي بِه مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّه الَّذِي لَه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّه تَصِيرُ الأُمُورُ ( 53 ) * ( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) * يعني ما أوحي إليه ، وسماه روحا لأن القلوب تحيا به ، وقيل جبريل والمعنى أرسلناه إليك بالوحي . * ( ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ ولَا الإِيمانُ ) * أي قبل الوحي ، وهو دليل على أنه لم يكن متعبدا قبل النبوة بشرع . وقيل المراد هو الإيمان بما لا طريق إليه إلا السمع . * ( ولكِنْ جَعَلْناه ) * أي الروح أو الكتاب أو الإيمان . * ( نُوراً نَهْدِي بِه مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ) * بالتوفيق للقبول والنظر فيه . * ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * هو الإسلام ، وقرئ « لتهدى » أي ليهديك اللَّه . * ( صِراطِ اللَّه ) * بدل من الأول . * ( الَّذِي لَه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ) * خلقا وملكا . * ( أَلا إِلَى اللَّه تَصِيرُ الأُمُورُ ) * بارتفاع الوسائط والتعلقات ، وفيه وعد ووعيد للمطيعين والمجرمين . عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم « من قرأ حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون له ويسترحمون له » .