عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
68
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
ودحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها . * ( وهِيَ دُخانٌ ) * أمر ظلماني ، ولعله أراد به مادتها أو الأجزاء المتصغرة التي ركبت منها * ( فَقالَ لَها ولِلأَرْضِ ائْتِيا ) * بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وأبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة . أو * ( ائْتِيا ) * في الوجود على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب للرتبة ، أو الإخبار أو إتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة ، وقد عرفت ما فيه أو لتأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما ويؤيده قراءة * ( وآتيا ) * من المؤاتاة أي لتوافق كل واحدة أختها فيما أردت منكما . * ( طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ) * شئتما ذلك أو أبيتما والمراد إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع والكره لهما ، وهما مصدران وقعا موقع الحال . * ( قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) * منقادين بالذات ، والأظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها ، وتمثيلهما بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع كقوله : * ( كُنْ فَيَكُونُ ) * وما قيل من أنه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب إنما يتصور على الوجه الأول والأخير ، وإنما قال طائعين على المعنى باعتبار كونهما مخاطبتين كقوله : * ( ساجِدِينَ ) * . * ( فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ) * فخلقهن خلقا إبداعيا وأتقن أمرهن ، والضمير ل * ( السَّماءَ ) * على المعنى أو مبهم ، و * ( سَبْعَ سَماواتٍ ) * حال على الأول وتمييز على الثاني . * ( فِي يَوْمَيْنِ ) * قيل خلق السماوات يوم الخميس والشمس والقمر والنجوم يوم الجمعة . * ( وأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها ) * شأنها وما يتأتى منها بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا . وقيل أوحى إلى أهلها بأوامره ونواهيه . * ( وزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ) * فإن الكواكب كلها ترى كأنها تتلألأ عليها . * ( وحِفْظاً ) * أي وحفظناها من الآفات ، أو من المسترقة حفظا . وقيل مفعول له على المعنى كأنه قال : وخصصنا السماء الدنيا بمصابيح زينة وحفظا . * ( ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) * البالغ في القدرة والعلم . فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ ( 13 ) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِه كافِرُونَ ( 14 ) * ( فَإِنْ أَعْرَضُوا ) * عن الإيمان بعد هذا البيان . * ( فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً ) * فحذرهم أن يصيبهم عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة . * ( مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ ) * وقرئ « صعقة مثل صعقة عاد وثمود » وهي المرة من الصعق أو الصعق يقال صعقته الصاعقة صعقا فصعق صعقا . * ( إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ ) * حال من * ( صاعِقَةِ عادٍ ) * ، ولا يجوز جعله صفة ل * ( صاعِقَةً ) * أو ظرفا ل * ( أَنْذَرْتُكُمْ ) * لفساد المعنى . * ( مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ ) * أتوهم من جميع جوانبهم واجتهدوا بهم من كل جهة ، أو من جهة الزمن الماضي بالإنذار عما جرى فيه على الكفار ، ومن جهة المستقبل بالتحذير عما أعد لهم في الآخرة ، وكل من اللفظين يحتملهما ، أو من قبلهم ومن بعدهم إذ قد بلغتهم خبر المتقدمين وأخبرهم هود وصالح عن المتأخرين داعين إلى الإيمان بهم أجمعين ، ويحتمل أن يكون عبارة عن الكثرة كقوله تعالى : * ( يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ ) * . * ( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه ) * بأن لا تعبدوا أو أي لا تعبدوا . * ( قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا ) * إرسال الرسل . * ( لأَنْزَلَ مَلائِكَةً ) * برسالته . * ( فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِه ) * على زعمكم . * ( كافِرُونَ ) * إذ أنتم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا . فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَولَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّه الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 15 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أَخْزى وهُمْ لا يُنْصَرُونَ ( 16 ) .