عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
51
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
( 40 ) سورة المؤمن مكية وآيها خمس وثمانون بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّه الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 ) غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِله إِلَّا هُوَ إِلَيْه الْمَصِيرُ ( 3 ) * ( حم ) * أماله ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر صريحا ، ونافع برواية ورش وأبو عمرو بين بين ، وقرئ بفتح الميم على التحريك لالتقاء الساكنين ، أو النصب بإضمار اقرأ ومنع صرفه للتعريف والتأنيث ، أو لأنها على زنة أعجمي كقابيل وهابيل . * ( تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّه الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) * لعل تخصيص الوصفين لما في القرآن من الإعجاز والحكم الدال على القدرة الكاملة والحكمة البالغة . * ( غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ ) * صفات أخرى لتحقيق ما فيه من الترغيب والترهيب والحث على ما هو المقصود منه ، والإضافة فيها حقيقة على أنه لم يرد بها زمان مخصوص ، وأريد ب * ( شَدِيدِ الْعِقابِ ) * مشددة أو الشديد عقابه فحذف اللام للازدواج وأمن الالتباس ، أو إبدال وجعله وحده بدلا مشوش للنظم وتوسيط الواو بين الأولين لإفادة الجمع بين محو الذنوب وقبول التوبة ، أو تغاير الوصفين إذ ربما يتوهم الاتحاد ، أو تغاير موقع الفعلين لأن الغفر هو الستر فيكون لذنب باق وذلك لمن لم يتب فإن « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » . والتوب مصدر كالتوبة وقيل جمعها والطول الفضل بترك العقاب المستحق ، وفي توحيد صفة العذاب مغمورة بصفات الرحمة دليل رجحانها . * ( لا إِله إِلَّا هُوَ ) * فيجب الإقبال الكلي على عبادته . * ( إِلَيْه الْمَصِيرُ ) * فيجازي المطيع والعاصي . ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّه إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ( 4 ) * ( ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّه إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ) * لما حقق أمر التنزيل سجل بالكفر على المجادلين فيه بالطعن وإدحاض الحق لقوله : * ( وجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِه الْحَقَّ ) * وأما الجدال فيه لحل عقده واستنباط حقائقه وقطع تشبث أهل الزيغ به وقطع مطاعنهم فيه فمن أعظم الطاعات ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام « إن جدالا في القرآن كفر » بالتنكير مع أنه ليس جدالا فيه على الحقيقة . * ( فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ) * فلا يغررك إمهالهم وإقبالهم في دنياهم وتقلبهم في بلاد الشأم واليمن بالتجارات المربحة فإنهم مأخوذون عما قريب بكفرهم أخذ من قبلهم كما قال : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوه وجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِه الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ( 5 ) وكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 6 ) .