عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
34
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 70 ) * ( قُلْ هُوَ ) * أي ما أنبأتكم به من أني نذير من عقوبة من هذه صفته وأنه واحد في ألوهيته ، وقيل ما بعده من نبأ آدم . * ( نَبَأٌ عَظِيمٌ ) * . * ( أَنْتُمْ عَنْه مُعْرِضُونَ ) * لتمادي غفلتكم فإن العاقل لا يعرض عن مثله كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة ، أما على التوحيد فما مرّ وأما على النبوة فقوله : * ( ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) * فإن إخباره عن تقاول الملائكة وما جرى بينهم على ما ورد في الكتب المتقدمة من غير سماع ومطالعة كتاب لا يتصوّر إلا بالوحي ، و * ( إِذْ ) * متعلق ب * ( عِلْمٍ ) * أو بمحذوف إذ التقدير من علم بكلام الملأ الأعلى . * ( إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) * أي لأنما كأنه لما جوز أن الوحي يأتيه بين بذلك ما هو المقصود به تحقيقا لقوله * ( إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ ) * ويجوز أن يرتفع بإسناد يوحى إليه ، وقرئ إنما بالكسر على الحكاية . إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 ) فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ ( 72 ) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 73 ) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 74 ) * ( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ) * بدل من * ( إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) * مبين له فإن القصة التي دخلت إذ عليها مشتملة على تقاول الملائكة وإبليس في خلق آدم عليه السلام ، واستحقاقه للخلافة والسجود على ما مر في « البقرة » ، غير أنها اختصرت اكتفاء بذلك واقتصارا على ما هو المقصود منها ، وهو إنذار المشركين على استكبارهم على النبي عليه الصلاة والسلام بمثل ما حاق بإبليس على استكباره على آدم عليه السلام ، هذا ومن الجائز أن يكون مقاولة اللَّه تعالى إياهم بواسطة ملك ، وأن يفسر « الملأ الأعلى » بما يعم اللَّه تعالى والملائكة . * ( فَإِذا سَوَّيْتُه ) * عدلت خلقته . * ( ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي ) * وأحييته بنفخ الروح فيه ، وإضافته إلى نفسه لشرفه وطهارته . * ( فَقَعُوا لَه ) * فخروا له . * ( ساجِدِينَ ) * تكرمة وتبجيلا له وقد مر الكلام فيه في « البقرة » . * ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) * . * ( إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ ) * تعظم . * ( وكانَ ) * وصار . * ( مِنَ الْكافِرِينَ ) * باستنكاره أمر اللَّه تعالى واستكباره عن المطاوعة ، أو كان منهم في علم اللَّه تعالى . قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ( 75 ) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْه خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَه مِنْ طِينٍ ( 76 ) * ( قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) * خلقته بنفسي من غير توسط كأب وأم ، والتثنية لما في خلقه من مزيد القدرة واختلاف الفعل ، وقرئ على التوحيد وترتيب الإنكار عليه للإشعار بأنه المستدعي للتعظيم ، أو بأنه الذي تشبث به في تركه وهو لا يصلح مانعا إذ للسيد أن يستخدم بعض عبيده لبعض سيما وله مزيد اختصاص . * ( أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ) * تكبرت من غير استحقاق أو كنت ممن علا واستحق التفوق ، وقيل استكبرت الآن أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين ، وقرئ « استكبرت » بحذف الهمزة لدلالة * ( أَمْ ) * عليها أو بمعنى الإخبار .