عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

30

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

وعاد إليه الملك ، فعلى هذا الجسد صخر سمي به وهو جسم لا روح فيه لأنه كان متمثلا بما لم يكن كذلك ، والخطيئة تغافله عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل كان جائزا حينئذ ، وسجود الصورة بغير علمه لا يضره . قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 35 ) * ( قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) * لا يتسهل له ولا يكون ليكون معجزة لي مناسبة لحالي ، أو لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة ، أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته كقولك : لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال ، على إرادة وصف الملك بالعظمة لا أن لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة ، وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين ووجوب تقديم ما يجعل الدعاء بصدد الإجابة . وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء . * ( إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) * المعطي ما تشاء لمن تشاء . فَسَخَّرْنا لَه الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِه رُخاءً حَيْثُ أَصابَ ( 36 ) والشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وغَوَّاصٍ ( 37 ) وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفادِ ( 38 ) * ( فَسَخَّرْنا لَه الرِّيحَ ) * فذللناها لطاعته إجابة لدعوته وقرئ « الرياح » . * ( تَجْرِي بِأَمْرِه رُخاءً ) * لينة من الرخاوة لا تزعزع ، أو لا تخالف إرادته كالمأمور المنقاد . * ( حَيْثُ أَصابَ ) * أراد من قولهم أصاب الصواب فأخطأ الجواب . * ( وَالشَّياطِينَ ) * عطف على * ( الرِّيحَ ) * . * ( كُلَّ بَنَّاءٍ وغَوَّاصٍ ) * بدل منه . * ( وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفادِ ) * عطف على * ( كُلَّ ) * كأنه فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص ، ومردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر ، ولعل أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى ويمكن تقييدها ، هذا والأقرب أن المراد تمثيل كفهم عن الشرور بالإقران في الصفد وهو القيد ، وسمي به العطاء لأنه يرتبط به المنعم عليه . وفرقوا بين فعليهما فقالوا صفده قيده وأصفده أعطاه عكس وعد وأوعد وفي ذلك نكتة . هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 39 ) وإِنَّ لَه عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ ( 40 ) * ( هذا عَطاؤُنا ) * أي هذا الذي أعطيناك من الملك والبسطة والتسلط على ما لم يسلط به غيرك عطاؤنا . * ( فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ ) * فأعط من شئت وامنع من شئت . * ( بِغَيْرِ حِسابٍ ) * حال من المستكن في الأمر ، أي غير محاسب على منه وإمساكه لتفويض التصرف فيه إليك أو من العطاء أو صلة له وما بينهما اعتراض . والمعنى أنه عطاء جم لا يكاد يمكن حصره ، وقيل الإشارة إلى تسخير الشياطين ، والمراد بالمن والإمساك إطلاقهم وإبقاءهم في القيد . * ( وَإِنَّ لَه عِنْدَنا لَزُلْفى ) * في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في الدنيا . * ( وحُسْنَ مَآبٍ ) * هو الجنة . واذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّه أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ ( 41 ) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ( 42 ) ووَهَبْنا لَه أَهْلَه ومِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وذِكْرى لأُولِي الأَلْبابِ ( 43 ) وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِه ولا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناه صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّه أَوَّابٌ ( 44 ) * ( وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ ) * هو ابن عيص بن إسحاق وامرأته ليا بنت يعقوب صلوات اللَّه عليه . * ( إِذْ نادى رَبَّه ) * بدل من * ( عَبْدَنا ) * و * ( أَيُّوبَ ) * عطف بيان له . * ( أَنِّي مَسَّنِيَ ) * بأني مسني ، وقرأ حمزة بإسكان الياء وإسقاطها في الوصل . * ( الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ ) * بتعب . * ( وعَذابٍ ) * ألم وهي حكاية لكلامه الذي ناداه به ولولا هي