عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

286

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

( 80 ) سورة عبس مكية وآيها ثنتان وأربعون آية بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ وتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَه الأَعْمى ( 2 ) وما يُدْرِيكَ لَعَلَّه يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَه الذِّكْرى ( 4 ) * ( عَبَسَ وتَوَلَّى ) * . * ( أَنْ جاءَه الأَعْمى ) * روي : أن ابن أم مكتوم أتى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم وعنده صناديد قريش يدعوهم إلى الإسلام ، فقال : يا رسول اللَّه علمني مما علمك اللَّه ، وكرر ذلك ولم يعلم تشاغله بالقوم ، فكره رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت ، فكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم يكرمه ويقول إذا رآه : مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ، واستخلفه على المدينة مرتين . وقرئ « عبّس » بالتشديد للمبالغة و * ( أَنْ جاءَه ) * علة ل * ( تَوَلَّى ) * ، أو * ( عَبَسَ ) * على اختلاف المذهبين ، وقرئ « ءاأن » بهمزتين وبألف بينهما بمعنى ألئن جاءه الأعمى فعل ذلك ، وذكر الأعمى للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم بالقوم والدلالة على أنه أحق بالرأفة والرفق ، أو لزيادة الإنكار كأنه قال : تولى لكونه أعمى كالالتفات في قوله : * ( وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّه يَزَّكَّى ) * أي : وأي شيء يجعلك داريا بحاله لعله يتطهر من الآثام بما يتلقف منك . وفيه إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره . * ( أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَه الذِّكْرى ) * أو يتعظ فتنفعه موعظتك ، وقيل الضمير في * ( لَعَلَّه ) * للكافر أي أنك طمعت في تزكيه بالإسلام وتذكره بالموعظة ولذلك أعرضت عن غيره ، فما يدريك أن ما طمعت فيه كائن ، وقرأ عاصم فتنفعه بالنصب جوابا للعل . أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَه تَصَدَّى ( 6 ) وما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) * ( أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ) * * ( فَأَنْتَ لَه تَصَدَّى ) * تتعرض له بالإقبال عليه وأصله تتصدى ، وقرأ ابن كثير ونافع * ( تَصَدَّى ) * بالإدغام وقرئ . * ( تَصَدَّى ) * أي تعرض وتدعى إلى التصدي . * ( وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ) * وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم * ( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ) * . وأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْه تَلَهَّى ( 10 ) * ( وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ) * يسرع طالبا للخير . * ( وَهُوَ يَخْشى ) * اللَّه أو أذية الكفار في إتيانك ، أو كبوة الطريق لأنه أعمى لا قائد له . * ( فَأَنْتَ عَنْه تَلَهَّى ) * تتشاغل ، يقال لها عنه والتهى و * ( تَلَهَّى ) * ، ولعل ذكر التصدي والتلهي للإشعار بأن العتاب على اهتمام قلبه بالغني وتلهيه عن الفقير ، ومثله لا ينبغي له ذلك . كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ ( 11 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَه ( 12 ) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 )