عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
255
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
( 73 ) سورة المزمل مكية ، وآيها تسع عشرة أو عشرون بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً ( 2 ) * ( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) * أصله المتزمل من تزمل بثيابه إذا تلفف بها فأدغم التاء في الزاي وقد قرئ به ، وب « المزّمّل » مفتوحة الميم ومكسورتها أي الذي زمله غيره ، أو زمل نفسه ، سمي به النبي عليه الصلاة والسلام تهجينا لما كان عليه فإنه كان نائما ، أو مرتعدا مما دهشه من بدء الوحي متزملا في قطيفة أو تحسينا له . إذ روي : أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي متلففا بمرط مفروش على عائشة رضي اللَّه تعالى عنها فنزلت . أو تشبيها له في تثاقله بالمتزمل لأنه لم يتمرن بعد في قيام الليل ، أو من تزمل الزمل إذا تحمل الحمل أي الذي تحمل أعباء النبوة . * ( قُمِ اللَّيْلَ ) * أي قم إلى الصلاة ، أو داوم عليها فيه ، وقرئ بضم الميم وفتحها للاتباع أو التخفيف . * ( إِلَّا قَلِيلاً ) * . نِصْفَه أَوِ انْقُصْ مِنْه قَلِيلاً ( 3 ) أَوْ زِدْ عَلَيْه ورَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ( 4 ) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ( 5 ) * ( نِصْفَه أَوِ انْقُصْ مِنْه قَلِيلاً ) * * ( أَوْ زِدْ عَلَيْه ) * الاستثناء من * ( اللَّيْلَ ) * و * ( نِصْفَه ) * بدل من * ( قَلِيلاً ) * وقلته بالنسبة إلى الكل ، والتخيير بين قيام النصف والزائد عليه كالثلثين والناقص عنه كالثلث ، أو * ( نِصْفَه ) * بدل من * ( اللَّيْلَ ) * والاستثناء منه والضمير في * ( مِنْه ) * و * ( عَلَيْه ) * للأقل من النصف كالثلث فيكون التخيير بينه وبين الأقل منه كالربع ، والأكثر منه كالنصف أو للنصف والتخيير بين أن يقوم أقل منه على البت وأن يختار أحد الأمرين من الأقل والأكثر ، أو الاستثناء من إعداد الليل فإنه عام والتخيير بين قيام النصف والناقص عنه والزائد عليه . * ( ورَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) * اقرأه على تؤدة وتبيين حروف بحيث يتمكن السامع من عدها من قوله ثغر رتل ورتل إذا كان مفلجا . * ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) * يعني القرآن فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة ثقيل على المكلفين سيما على الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم إذ كان عليه أن يتحملها ويحملها أمته ، والجملة اعتراض يسهل التكليف عليه بالتهجد ، ويدل على أنه مشق مضاد للطبع مخالف للنفس ، أو رصين لرزانة لفظه ومتانة معناه ، أو ثقيل على المتأمل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفية للسر وتجريد للنظر ، أو ثقيل في الميزان أو على الكفار والفجار ، أو ثقيل تلقيه لقوله عائشة رضي اللَّه تعالى عنها : رأيته عليه الصلاة والسلام ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه وإن جبينه ليرفض عرقا . وعلى هذا يجوز أن يكون صفة للمصدر والجملة على هذه الأوجه للتعليل مستأنف ، فإن التهجد يعد للنفس ما به تعالج ثقله .