عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
256
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وأَقْوَمُ قِيلاً ( 6 ) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً ( 7 ) * ( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ ) * إن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة من نشأ من مكانه إذا نهض وقام قال : نشأنا إلى خوص برى نهيا السّرى * وألصق منها مشرفات القماحد أو قيام الليل على أن ال * ( ناشِئَةَ ) * له أو العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث ، أو ساعات الليل لأنها تحدث واحدة بعد أخرى ، أو ساعاتها الأول من نشأت إذا ابتدأت . * ( هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً ) * أي كلفة أو ثبات قدم ، وقرأ أبو عمرو وابن عامر * ( وَطْئاً ) * بكسر الواو وألف ممدودة أي مواطأة القلب اللسان لها ، أو فيها أو موافقة لما يراد منها من الخضوع والإخلاص . * ( وأَقْوَمُ قِيلاً ) * أي وأسد مقالا أو أثبت قراءة لحضور القلب وهدوء الأصوات . * ( إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً ) * تقلبا في مهماتك واشتغالا بها فعليك بالتهجد ، فإن مناجاة الحق تستدعي فراغا . وقرئ « سبخا » أي تفرق قلب بالشواغل مستعار من سبخ الصوف وهو نفشه ونشر أجزائه . واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إِلَيْه تَبْتِيلاً ( 8 ) رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ لا إِله إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْه وَكِيلاً ( 9 ) * ( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ) * ودم على ذكره ليلا ونهارا ، وذكر اللَّه يتناول كل ما يذكر به من تسبيح وتهليل وتمجيد وتحميد وصلاة وقراءة قرآن ودراسة علم . * ( وتَبَتَّلْ إِلَيْه تَبْتِيلاً ) * وانقطع إليه بالعبادة وجرد نفسك عما سواه ، ولهذه الرمزة ومراعاة الفواصل وضعه موضع تبتلا . * ( رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ) * خبر محذوف أو مبتدأ خبره : * ( لا إِله إِلَّا هُوَ ) * وقرأ ابن عامر والكوفيون غير حفص ويعقوب بالجر على البدل من ربك ، وقيل بإضمار حرف القسم وجوابه * ( لا إِله إِلَّا هُوَ ) * . * ( فَاتَّخِذْه وَكِيلاً ) * مسبب عن التهليل ، فإن توحده بالألوهية يقتضي أن توكل إليه الأمور . واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ( 10 ) وذَرْنِي والْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ( 11 ) * ( وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) * من الخرافات . * ( واهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ) * بأن تجانبهم وتداريهم ولا تكافئهم وتكل أمرهم إلى اللَّه فاللَّه يكفيكهم كما قال : * ( وَذَرْنِي والْمُكَذِّبِينَ ) * دعني وإياهم وكل أمرهم فإن بي غنية عنك في مجازاتهم . * ( أُولِي النَّعْمَةِ ) * أرباب التنعم ، يريد صناديد قريش . * ( ومَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ) * زمانا أو إمهالا . إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وجَحِيماً ( 12 ) وطَعاماً ذا غُصَّةٍ وعَذاباً أَلِيماً ( 13 ) يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ والْجِبالُ وكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً ( 14 ) * ( إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً ) * تعليل للأمر ، والنكل القيد الثقيل . * ( وجَحِيماً ) * . * ( وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ ) * طعاما ينشب في الحلق كالضريع والزقوم . * ( وعَذاباً أَلِيماً ) * ونوعا آخر من العذاب مؤلما لا يعرف كنهه إلا اللَّه تعالى ، ولما كانت العقوبات الأربع مما تشترك فيها الأشباح والأرواح فإن النفوس العاصية المنهمكة في الشهوات تبقى مقيدة بحبها والتعلق بها ، عن التخلص إلى عالم المجردات متحرقة بحرقة الفرقة متجرعة غصة الهجران معذبة بالحرمان عن تجلي أنوار القدس ، فسر العذاب بالحرمان عن لقاء اللَّه تعالى . * ( يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ والْجِبالُ ) * تضطرب وتتزلزل ظرف لما في * ( إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً ) * من معنى الفعل .