عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
249
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
من الإفراد لتراخي بعضها عن بعض ، و * ( جِهاراً ) * نصب على المصدر لأنه أحد نوعي الدعاء ، أو صفة مصدر محذوف بمعنى دعاء * ( جِهاراً ) * أي مجاهرا به أو الحال فيكون بمعنى مجاهرا . فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّه كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) ويُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ( 12 ) * ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) * بالتوبة عن الكفر . * ( إِنَّه كانَ غَفَّاراً ) * للتائبين وكأنهم لما أمرهم بالعبادة قالوا : إن كنا على حق فلا نتركه وإن كنا على باطل فكيف يقبلنا ويلطف بنا من عصيناه ، فأمرهم بما يجب معاصيهم ويجلب إليهم المنح ولذلك وعدهم عليه ما هو أوقع في قلوبهم . وقيل لما طالت دعوتهم وتمادى إصرارهم حبس اللَّه عنهم القطر أربعين سنة ، وأعقم أرحام نسائهم فوعدهم بذلك على الاستغفار عما كانوا عليه بقوله : * ( يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ) * * ( ويُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ) * ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء . و * ( السَّماءَ ) * تحتمل المظلة والسحاب ، والمدرار كثير الدرور ويستوي في هذا البناء المذكر والمؤنث ، والمراد بال * ( جَنَّاتٍ ) * البساتين . ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّه وَقاراً ( 13 ) وقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ( 14 ) * ( ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّه وَقاراً ) * لا تأملون له توقيرا أي تعظيما لمن عبده وأطاعه فتكونوا على حال تأملون فيها تعظيمها إياكم ، و * ( لِلَّه ) * بيان للموقر ولو تأخر لكان صلة للوقار ، أو لا تعتقدون له عظمة فتخافوا عصيانه ، وإنما عبر عن الاعتقاد بالرجاء التابع لأدنى الظن مبالغة . * ( وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ) * حال مقررة للإنكار من حيث إنها موجبة للرجاء فإنه خلقهم * ( أَطْواراً ) * أي تارات ، إذ خلقهم أولا عناصر ، ثم مركبات تغذى بها الإنسان ، ثم أخلاطا ، ثم نطفا ، ثم علقا ، ثم مضغا ، ثم عظاما ولحوما ، ثم أنشأهم خلقا آخر ، فإنه يدل على أنه يمكن أن يعيدهم تارة أخرى فيعظمهم بالثواب وعلى أنه تعالى عظيم القدرة تام الحكمة ، ثم أتبع ذلك ما يؤيده من آيات الآفاق فقال . أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّه سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ( 15 ) وجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ( 16 ) * ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّه سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ) * * ( وجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ) * أي في السماوات وهو في السماء الدنيا وإنما نسب إليهن لما بينهن من الملابسة . * ( وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ) * مثلها به لأنها تزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض كما يزيلها السراج عما حوله . واللَّه أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَباتاً ( 17 ) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها ويُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ( 18 ) واللَّه جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِساطاً ( 19 ) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً ( 20 ) * ( وَاللَّه أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَباتاً ) * أنشأكم منها فاستعير الإنبات للإنشاء لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض ، وأصله * ( أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ ) * إنباتا فنبتم نباتا ، فاختصره اكتفاء بالدلالة الالتزامية . * ( ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها ) * مقبورين . * ( ويُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ) * بالحشر ، وأكده بالمصدر كما أكد به الأول دلالة على أن الإعادة محققة كالإبداء ، وأنها تكون لا محالة . * ( وَاللَّه جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِساطاً ) * تتقلبون عليها . * ( لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً ) * واسعة جمع فج ومن لتضمن الفعل معنى الاتخاذ .