عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

250

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْه مالُه ووَلَدُه إِلَّا خَساراً ( 21 ) * ( قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ) * فيما أمرتهم به . * ( واتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْه مالُه ووَلَدُه إِلَّا خَساراً ) * واتبعوا رؤساءهم البطرين بأموالهم المغترين بأولادهم بحيث صار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة ، وفيه أنهم إنما اتبعوهم لوجاهة حصلت لهم بالأموال والأولاد وأدت بهم إلى الخسار ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي والبصريان * ( ووَلَدُه ) * بالضم والسكون على أنه لغة كالحزن والحزن أو جمع كالأسد . ومَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ( 22 ) وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وَدًّا ولا سُواعاً ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً ( 23 ) * ( وَمَكَرُوا ) * عطف على * ( لَمْ يَزِدْه ) * والضمير لمن وجمعه للمعنى . * ( مَكْراً كُبَّاراً ) * كبيرا في الغاية فإنه أبلغ من كبار وهو من كبير ، وذلك احتيالهم في الدين وتحريش الناس على أذى نوح . * ( وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ) * أي عبادتها . * ( ولا تَذَرُنَّ وَدًّا ولا سُواعاً ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً ) * * ( ولا تَذَرُنَّ ) * هؤلاء خصوصا ، قيل هي أسماء رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا صوروا تبركا بهم ، فلما طال الزمان عبدوا . وقد انتقلت إلى العرب فكان ود لكلب ، وسواع لهمدان ، ويغوث لمذحج ، ويعوق لمراد ، ونسر لحمير . وقرأ نافع * ( وَدًّا ) * بالضم وقرئ « يغوثا » و « يعوقا » للتناسب ، ومنع صرفهما للعلمية والعجمة . وقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالاً ( 24 ) مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّه أَنْصاراً ( 25 ) * ( وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً ) * الضمير للرؤساء أو للأصنام كقوله : * ( إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً ) * . * ( ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالاً ) * عطف على * ( رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ) * ، ولعل المطلوب هو الضلال في ترويج مكرهم ومصالح دنياهم لا في أمر دينهم ، أو الضياع والهلاك كقوله : * ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وسُعُرٍ ) * . * ( مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ ) * من أجل خطيئاتهم ، و « ما » مزيدة للتأكيد والتفخيم ، وقرأ أبو عمرو « مما خطاياهم » . * ( أُغْرِقُوا ) * بالطوفان . * ( فَأُدْخِلُوا ناراً ) * المراد عذاب القبر أو عذاب الآخرة ، والتعقيب لعدم الاعتداد بما بين الإغراق والإدخال ، أو لأن المسبب كالمتعقب للسبب وإن تراخى عنه لفقد شرط أو وجود مانع ، وتنكير النار للتعظيم أو لأن المراد نوع من النيران . * ( فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّه أَنْصاراً ) * تعريض لهم باتخاذ آلهة من دون اللَّه لا تقدر على نصرهم . وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 ) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ولِلْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً ( 28 ) * ( وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) * أي أحدا وهو مما يستعمل في النفي العام فيعال من الدار ، أو الدور وأصله ديوار ففعل به ما فعل بأصل سيد الأفعال وإلا لكان دوارا . * ( إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) * قال ذلك لما جربهم واستقرى أحوالهم ألف سنة إلا خمسين عاما فعرف شيمهم وطباعهم . * ( رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ) * لملك بن متوشلح وشمخا بنت أنوش وكانا مؤمنين . * ( ولِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ ) * منزلي أو مسجدي أو سفينتي . * ( مُؤْمِناً ولِلْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ ) * إلى يوم القيامة . * ( ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً ) * هلاكا . عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم « من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح » .