عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
11
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
بعض الملائكة يقول لهم : هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار لأريكم ذلك القرين فتعلموا أين منزلتكم من منزلتهم ؟ وعن أبي عمرو * ( مُطَّلِعُونَ ، فَاطَّلَعَ ) * بالتخفيف وكسر النون وضم الألف على أنه جعل اطلاعهم سبب اطلاعه من حيث أن أدب المجالسة يمنع الاستبداد به ، أو خاطب الملائكة على وضع المتصل موضع المنفصل كقوله : هم الآمرون الخير والفاعلونه أو شبه اسم الفاعل بالمضارع . * ( فَاطَّلَعَ ) * عليهم . * ( فَرَآه ) * أي قرينه . * ( فِي سَواءِ الْجَحِيمِ ) * وسطه . قالَ تَاللَّه إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ( 56 ) ولَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 57 ) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ( 58 ) إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 59 ) * ( قالَ تَاللَّه إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ) * لتهلكني بالإغواء ، وقرئ « لتغوين » و * ( إِنْ ) * هي المخففة واللام هي الفارقة . * ( وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي ) * بالهداية والعصمة . * ( لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) * معك فيها . * ( أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ) * عطف على محذوف أي أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ، أي بمن شأنه الموت وقرئ « بمائتين » . * ( إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولى ) * التي كانت في الدنيا وهي متناولة لما في القبر بعد الإحياء للسؤال ، ونصبها على المصدر من اسم الفاعل . وقيل على الاستثناء المنقطع . * ( وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) * كالكفار ، وذلك تمام كلامه لقرينه تقريعا له أو معاودة إلى مكالمة جلسائه تحدثا بنعمة اللَّه ، أو تبجحا بها وتعجبا منها وتعريضا للقرين بالتوبيخ . إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 60 ) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ( 61 ) * ( إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) * يحتمل أن يكون من كلامهم وأن يكون كلام اللَّه لتقرير قوله والإشارة إلى ما هم عليه من النعمة والخلود والأمن من العذاب . * ( لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ) * أي لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الانصرام ، وهو أيضا يحتمل الأمرين . أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 62 ) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ( 63 ) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُها كَأَنَّه رُؤُسُ الشَّياطِينِ ( 65 ) فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 66 ) * ( أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ) * شجرة ثمرها نزل أهل النار ، وانتصاب * ( نُزُلاً ) * على التمييز أو الحال وفي ذكره دلالة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقام للنازل ولهم وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام ، وكذلك الزقوم لأهل النار ، وهو : اسم شجرة صغيرة الورق دفر مرة تكون بتهامة سميت به الشجرة الموصوفة . * ( إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ) * محنة وعذابا لهم في الآخرة ، أو ابتلاء في الدنيا فإنهم لما سمعوا أنها في النار قالوا كيف ذلك والنار تحرق الشجر ، ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويلتذ بها فهو أقدر على خلق الشجر في النار وحفظه من الإحراق .