السيد مصطفى الخميني

508

تفسير القرآن الكريم

الأعلى من مقام الشيطنة وأرفع منها * ( وقلنا ) * بالوسائط المقررة للمكالمة والمخاطبة : * ( اهبطوا ) * هبوطا موقتا محدودا ، فإنه بعد ما تاب بتلقي الكلمات من ربه رجع إلى ذلك المقام والمرتبة * ( بعضكم لبعض عدو ) * ، فإن كل واحد منها أزل الآخر ، فيكون عدوا له * ( ولكم في الأرض ) * ولكل واحد منكما في الأرض - التي جعلنا آدم فيها خليفة - مقام مناسب ، و * ( مستقر ) * غير متزلزل ، لا يزل أحدكما الآخر فيها كي يهبط لما لا وراء بعد الأرض * ( ومتاع إلى حين ) * تلقي الكلمات والقرب وقبوله ، فإنه هو التواب الرحيم . وقريب منه : * ( فأزلهما الشيطان عنها ) * ، أي الشجرة الغير المنهي عنها ، فقربا منها * ( فأخرجهما ) * الله تعالى لعصيانهما بالقرب من تلك الشجرة ، وقد كان القرب منها ، فإن الشيطان أدون من أن يتمكن من الإخراج ، سواء كان جنة الدنيا والآخرة ، أو جنة المقام والمنزلة الرفيعة * ( مما كانا فيه ) * أي خرجا في الحقيقة - طبعا وقهرا بعد ذلك القرب المنهي عنه - مما كانا فيه ، ومصحح النسبة سببية الإزلال المستند إلى الشيطان بوجه ، وبعد الخروج تعلقت الحكمة الإلهية والرحمة العامة الرحمانية بل والخاصة الرحيمية ، فقال : * ( وقلنا اهبطوا ) * إلى الأرض ، ولا تكونوا حيارى وسكارى ، وبلا مسكن ومتاع * ( بعضكم لبعض عدو ) * وقد كان إخراجه تعالى إياهما عن جهة واستحقاق وهي عداوة بعضهم لبعض ، وحيث لا يفارقهما الشيطان المقرون معهما الممخور طينتهما به ، انقلبت ضمائر التثنية إلى الجمع بعد ذلك ، بل كان ابتداء الضمائر واحدا ، حيث قال تعالى : * ( يا آدم أسكن أنت ) * ثم تبدلت