السيد مصطفى الخميني
150
تفسير القرآن الكريم
والشخصية الكمالية والوجود الكامل ، فمسألة تعبية الأقوات في أربعة أيام مما لا يكاد يخفى ، والقوى والأقوات بمبادئها متقدمة على الاستواء إلى السماء ، كما هو المحكي عن معتقدات اليهود . وأما دعوى : أن الآيات المكية هي الآيات الواردة لبيان الواقعيات ، والآيات المدنية لوحظت فيها جوانب سياسات الملة وترغيب اليهود بالإسلام ، وأنهم يتوهمون أن القرآن يصدقهم في مقالتهم ومعتقدهم ، فلا دلالة فيها على شئ خلاف ما دل عليه الآيات السابقة ، فهذا في حد نفسه جائز إلا أنه بعيد في النظر عن ساحة الكتاب الإلهي . والله العالم . وأما قول القرطبي تبعا لقتادة : إن دخان السماء كان مقدما على خلق الأرض * ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) * ( 1 ) فسواها ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ( 2 ) ، فهو أفحش فسادا لصراحة الكتاب في أنه تعالى : * ( رفع سمكها فسواها ) * ثم قال : * ( والأرض بعد ذلك دحاها ) * . وسيمر عليك - إن شاء الله - مسألة خلق السماوات والأرض في البحوث الآتية على وجه أبسط . ومن الغريب ما في تفسير بعض المعاصرين من إلغاء مفاد كلمة " قبل " و " بعد " ، وكان عليه أن يلغي مفاد سائر الجمل ، لأنه تعالى منزه عن الحركة والسكون وعن المادة والمدة والتصرم ، كما هو منزه عن القبلية والبعدية ، غافلا عن أنه تعالى يصرح - في موضع أو أكثر في قصص الأنبياء - بتقدم بعضهم على بعض في الزمان ، وإن تأخر في الكلام ،
--> 1 - فصلت ( 41 ) : 11 . 2 - راجع الجامع لأحكام القرآن 1 : 256 .