السيد مصطفى الخميني

468

تفسير القرآن الكريم

ويحسبون أنفسهم في الأعلين ، ويظنون أنهم من القاطنين في الملأ الأرقى والسرادقات العلى ، كلا إنهم في غمرتهم يعمهون ، وفي جهلهم منغمرون ، غافلين عن أحكام الشهادة ، خالطين بين العوالم وقيودها ، جاهلين بحقيقة الأمر ، واختلاف مراتب العوالم الكلية ، كاختلاف نشأت الإنسان الصغير . وإذا قيل لهؤلاء الثلة ولتلك الطائفة من أهل الباطل : آمنوا كما آمن الناس ، وكما آمن عموم البشر عوام عاميا كان أو خواص خاصيا ولا تتخذوا سبيل الغي ، فتفرق بكم ، ولا تميلوا إلى التأويل بحمل الأوامر والنواهي إلى الجهات العقلية والذوقية ، ولا تكونوا من المفرطين . قالوا : أنؤمن كما آمن الناس . كلا فإنهم الأرذلون والأضلون أعمالا ، ويسلكون طريق الغي والغواية وسبيل الضلالة ، وينهمكون في الدنيا وظواهرها ولا يطلعون على الحقائق والرقائق ولا يدركون الدقائق والأسرار ، ولا يلمسون البواطن والخفيات . فيتوجه إليهم حين ما يترنمون بهذه الأصوات المضلة الشيطانية : * ( ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ) * ، فالآية لا تختص بجماعة المفرطين فقط ، وهم المنافقون ، بل تشمل هؤلاء المفرطين ، فيكون هذا السبيل - أيضا - ممنوعا في الشريعة وباطلا ، ومن السفاهة عند الله تبارك وتعالى . أقول : ما مر عين الحق وحق الصدق إلا أن مجرد إمكان تطبيق الآية الشريفة عليهم ، لا يشهد على أن الآية تدل - حسب الدلالة العرفية - على حرمة مسلكهم ومرامهم ، كما لا يخفى . والله العالم بالأسرار والخفيات .