هاشم معروف الحسني
114
تاريخ الفقه الجعفري
وبذلك تكون الأدلة على الاحكام : الكتاب والسنة والقياس والاجماع . وكان الاجتهاد يوم ذاك محدودا لا يتجاوز هذه الأصول الأربعة ، ولا بد للمفتين والقضاة من بذل الجهد والفحص أولا عن حكم الواقعة في الكتاب . فإذا لم يكن في نصوصه وظواهره ، لا بد من الرجوع إلى السنة التي سمعوها من قول الرسول أو فعله أو رضاه بعمل المسلمين الكاشف عن مشروعية عملهم . أما إذا لم يجد المفتي ما يرشده إلى الحكم من سنة الرسول ، ووجد ما يشبهه حكما منصوصا عليه ، من حيث اشتمال ذلك الحكم على علة منصوصة أو مستنبطة ، أفتى في الواقعة التي لا نص فيها بذلك الحكم المعلوم ؛ اعتمادا على تلك المشابهة ، إلحاقا لما لا نص فيه على ما فيه نص ، وقد سمي هذا الالحاق بالقياس . . . اما إذا لم تتوفر النصوص من الكتاب والسنة ولم تتحقق المشابهة التي تجوز الحاق مجهول الحكم بمعلومه ، لا بد من الرجوع إلى رأي الصحابة . فان اتفق رأي جماعة منهم على حكم وجب العمل عليه ، وسمي هذا الاتفاق اجماعا ( 1 ) . ومن جملة أدلتهم على الاجماع ، بالإضافة على ما تقدم قول النبي لعلي : « إذا نزل بكم أمر ليس فيه قرآن أو سنة اجمعوا له العالمين واجعلوه شورى بينكم ، ولا تقضوا فيه برأي واحد » . ومعلوم ان اعتبار القياس والإجماع من أدلة الأحكام ، قد نتج منه اختلاف لا نهاية له بين المفتين وعلماء المذاهب . فما صدر عنهم من احكام وآراء ، استنادا لهذين الأصلين ، لتشعب الآراء فيهما . لا سيما وان الاجماع بهذا المعنى الذي نسبه الأستاذ الخضري إلى الصحابة لا يمنع من الخلاف في المسألة الواحدة ، بل من الاجماع المعارض له ، لأنه كما يزعم ، يتحقق بإجماع جماعة من الصحابة على رأي . ولا يفيد فيه إجماع الصحابة كلهم على رأي واحد ، كما يظهر من أكثر أنصار الاجماع . ولا بد لنا من العودة إلى هذين الأصلين ، عندما نتحدث عن أدلة
--> ( 1 ) - كما في تاريخ التشريع للخضري : كان الشيخان إذا استشارا جماعة في حكم فأشاروا فيه برأي تبعهم الناس ، وسمي إبداء الرأي بهذا الشكل إجماعا .