ابن قيم الجوزية

142

الطب النبوي

فيه : من الأرواح الخبيثة التي كان نور النهار يحول بينها وبين الانتشار ، فلما أظلم الليل عليها وغاب القمر : انتشرت وعاثت . والاستعاذة من شر النفاثات في العقد تتضمن الاستعاذة من شر السواحر وسحرهن . والاستعاذة من شر الحاسد تتضمن الاستعاذة من النفوس الخبيثة المؤذية بحسدها ونظرها . والسورة الثانية تتضمن الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن . فقد جمعت السورتان الاستعاذة من كل شر ، ولهما شأن عظيم في الاحتراس والتحصن من الشرور قبل وقوعها . ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن عامر ، بقراءتهما عقب كل صلاة . ذكره الترمذي في جامعه . وفى هذا سر عظيم في استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة . وقال : " ما تعوذ المتعوذون بمثلهما " . وقد ذكر : أنه صلى الله عليه وسلم سحر في إحدى عشرة عقدة ، وأن جبريل نزل عليه بهما ، فجعل كلما يقرأ آية منهما : انحلت عقدة ، حتى انحلت العقد كلها وكأنما نشط من عقال " . وأما العلاج الطبيعي فيه : فإن في الملح نفعا لكثير من السموم ، ولا سيما لدغة العقرب . قال صاحب القانون : " يضمد به مع بزر ( 1 ) الكتان للسع العقرب " . وذكره غيره أيضا . وفى الملح : من القوة الجاذبة المحللة ، ما يجذب السموم ويحللها . ولما كان في لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب وإخراج - : جمع بين الماء المبرد لنار اللسعة ، والملح الذي فيه جذب وإخراج . وهذا أتم ما يكون من العلاج وأيسره وأسهله ، وفيه تنبيه على أن علاج هذا الداء : بالتبريد والجذب والاخراج . والله أعلم . وقد روى مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة ، قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة ! فقال : أما لو قلت حين أمسيت : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ، لم يضرك " ( 2 ) . واعلم أن الأدوية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله ، وتمنع من وقوعه ، وإن وقع : لم يقع وقوعا مضرا وإن كان مؤذيا . والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء . فالتعوذات والأذكار : إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب ، وإما أن تحول بينها وبين كمال

--> ( 1 ) كذا بالزاد . وفى الأصل : بذر . وما أثبت أولى أو الصحيح . انظر المصباح : ( بذر ) . ( 2 ) وأخرجه أيضا أحمد اه‍ ق