الشيخ الطوسي

176

التبيان في تفسير القرآن

ويمتنع أن يتصل به الجار من وجه آخر ، وهو ان قوله ( أو من وراء حجاب ) من صلة ( يوحي ) الذي هو بمعنى ( أن يوحي ) فإذا كان كذلك لم يجز ان يحمل الجار الذي هو في قوله ( من وراء حجاب ) على ( أو يرسل ) لأنك تفصل بين الصلة والموصول بما ليس منهما . ألا ترى أن المعطوف على الصلة من الصلة إذا حملت العطف على ما ليس في الصلة فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي الذي ليس منها ، فإذا لم يجز حمله على ( يكلمه ) في قوله ( ما كان لبشر أن يكلمه الله ) ولم يكن بد من أن يعلق الجار بشئ ، ولم يكن في اللفظ شئ يحمل عليه أضمرت ( بما يكلم ) وجعلت الجار في قوله ( أو من وراء حجاب ) متعلقا بفعل مراد في الصلة محذوف حذفا للدلالة عليه ، ويكون في المعنى معطوفا على الفعل المقدر صلة ، لان الموصول يوحي ، فيكون التقدير : ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحى إليه ، أو يكلمه من وراء حجاب ، فحذف ( يكلم ) من الصلة ، لان ذكره قد جرى وإن كان خارجا من الصلة ، فحسن لذلك حذفه من الصلة . ومن رفع ( أو يرسل رسولا ) فإنه يجعل ( يرسل ) حالا والجار في قوله ( أو من وراء حجاب ) يتعلق بمحذوف ، ويكون في الظرف ذكر من ذي الحال ، ويكون قوله ( إلا وحيا ) على هذا التقدير مصدرا وقع موقع الحال ، كقولك جئت ركضا أو اتيت عدوا . ومعنى ( أو من وراء حجاب ) فيمن قدر الكلام استثناء منقطعا أو حالا : يكلمهم غير مجاهر لهم بكلامه ، يريد ان كلامه يسمع ويحدث من حيث لا يرى ، كما ترى سائر المتكلمين ، ليس ان ثم حجابا يفصل موضعا من موضع ، فيدل ذلك على تحديد المحجوب . ومن رفع ( يرسل ) كان ( يرسل ) في موضع نصب على الحال . والمعنى هذا كلامه كما تقول : تحبتك الضرب وعتابك السيف .