الشيخ الطوسي

177

التبيان في تفسير القرآن

يقول الله تعالى إنه ليس لبشر من الخلق أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه وحيا ( أو من وراء حجاب ) معناه أو بكلام بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب ، لأنه تعالى لا يجوز عليه مالا يجوز إلا على الأجسام من ظهور الصورة للابصار ( أو يرسل رسولا ) فان جعلناه عطفا على إرسال الرسول ، كان أحد أقسام الكلام كما قلناه في قولهم : عتابك السيف ، كأنه قال إلا وحيا أو إرسالا ، وإن لم تجعله عطفا لم يكن أحد أقسامه ، ويكون كقولهم : لألزمنك أو تعطيني حقي ، فلا يكون الارسال في هذا الوجه كلاما ، فيكون كلام الله لعباده على ثلاثة أقسام : أولها - ان يسمع منه كما يسمع من وراء حجاب ، كما خاطب الله به موسى عليه السلام . الثاني - بوحي يأتي به الملك إلى النبي من البشر كسائر الأنبياء . الثالث - بتأدية الرسول إلى المكلفين من الناس ، وقيل في الحجاب ثلاثة أقوال : أحدها - حجاب عن إدراك الكلام لا المكلم وحده . الثاني - حجاب لموضع الكلام . الثالث - إنه بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب ( فيوحي باذنه ما يشاء ) معناه إن ذلك الرسول الذي هو الملك يوحي إلى النبي من البشر بأمر الله ما شاءه الله ( إنه علي حكيم ) معناه إن كلامه المسموع منه لا يكون مخاطبة يظهر فيها المتكلم بالرؤية ، لأنه العلي عن الادراك بالابصار وهو الحكيم في جميع افعاله وفي كيفية خطابه لخلقه . وقال السدي : معنى الآية إنه لم يكن لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا بمعنى إلا إلهاما بخاطر أو في منام أو نحوه من معنى الكلام إليه في خفاء ( أو من وراء حجاب ) يحجبه عن إدراك جميع الخلق إلا عن المتكلم الذي يسمعه كما سمع موسى