الشيخ الطوسي

251

التبيان في تفسير القرآن

لما قال الله تعالى لنبيه محمد : إن الكفار إذا ما رأوك اتخذوك هزوا وسخرية علم أن ذلك يغمه فسلاه عن ذلك بأن اقسم بأن الكفار فيما سلف استهزؤا بالرسل الذين بعث الله فيهم . وسخروا منه ( فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ) أي حل بهم عقوبة ما كانوا يسخرون منهم ، وحاق معناه حل ، حاق يحق حيقا . ومنه قوله " ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله " ( 1 ) أي يحل وبال القبيح بأهله الذين يفعلونه ، فكان كما أرادوه بالداعي لهم إلى الله بهم . والفرق بين الهزء والسخرية ، أن في السخرية معنى الذلة ، لان التسخير التذليل والهزء يقتضي طلب صغر القدر مما يظهر في القول . ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يقول لهؤلاء الكفار " من يكلؤكم بالليل والنهار " أي من يحفظكم من بأس الرحمن وعذابه . وقيل : من عوارض الآفات ، يقال : كلاه يكلؤه ، فهو كالئ قال ابن هرمة : إن سليمى والله يكلؤها * ضنت بشئ ما كان يرزؤها ( 2 ) ومعنى ( يكلؤكم . . . من الرحمن ) اي من يحفظكم من أن يحل بكم عذابه وقوله ( بل هم عن ذكر ربهم معرضون ) معناه كأنه قال : ما يلتفتون إلى شئ من الحجج والمواعظ ، بل هم عن ذكر ربهم معرضون . وقيل : من يحفظكم مما يريد الله إحلاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة . ثم قال على وجه التوبيخ لهم والتقريع ( أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا ) أي من عذابنا وعقوباتنا . ثم أخبر أنهم ( لا يستطيعون نصر أنفسهم ) . وقيل : ان المعنى إن آلهتهم لا يقدرون على نصر أنفسهم ، فكيف يقدرون على نصر غيرهم ؟ ! وقيل إن الكفار ( لا يستطيعون نصر

--> ( 1 ) سورة 35 فاطر 43 ( 2 ) تفسير القرطبي 11 / 291 والطبري 17 / 20 والشوكاني 3 / 395