الشيخ الطوسي
440
التبيان في تفسير القرآن
يدعوهم إلى أفعالهم الحسنة التي لها مدخل في استحقاق المدح والثواب عليها ، لان القبائح يزجر عنها ، ولا يدعو إليها ، والمباح لا يدعو إلى فعله ، لأنه عبث ، وإنما يدعو إلى ما هو واجب أو ندب ، لأنه يستحق بفعله المدح والثواب ، والحكمة هي المعرفة بمراتب الافعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد . وقيل لها : حكمة ، لأنها بمنزلة المانع من الفساد ، وما لا ينبغي أن يختار ، والأصل المنع كما قال جرير : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم * إني أخاف عليكم أن أغضبا ( 1 ) أي امنعوهم من السفه ، والفرق بين الحكمة والعقل : أن العاقل هو العاقد على ما يمنع من الفساد ، والحكيم هو العارف بما يمنع من الفساد ، الحكمة مشتركة بين المعرفة وبين العقل المستقيم ، لان كل واحد منهما ممتنع من الفساد عار منه والقدير تعالى لم يزل حكيما بمعني لم يزل عالما ، ولا يجوز لم يزل حكيما فيما يستحق لأجل الفعل المستقيم ، وكل حكمة يكون بتركها مضيعا لحق النعمة يجب على المكلف طلبها . معرفة كانت أو فعلا . والموعظة الحسنة . معناه الوعظ الحسن وهو الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه والتزهيد في فعله . وفي ذلك تليين القلوب بما يوجب الخشوع . وقيل : ان الحكمة النبوة . والموعظة القرآن " وجادلهم بالتي هي أحسن " فالجدال فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج " بالتي هي أحسن " وفيه الرفق والوقار والسكينة مع نصرة الحق بالحجة . ثم أخبر " ان ربك " يا محمد " اعلم بمن ضل عن سبيله " بأن عدل عنها و " أعلم من غيره بمن اهتدى إليها وليس عليك غير الدعاء . وقوله " وان عاقبتم فعاقبوا " قيل : في سبب نزول هذه الآية قولان : أحدهما - ان المشركين لما مثلوا بقتلى أحد . قال المسلمون : متى أظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم أعظم مما مثلوا بنا . ذكره الشعبي وقتادة وعطاء .
--> ( 1 ) مر هذا البيت في 1 : 142 ، 2 : 188 ، 4 : 496 ، 5 : 512