الشيخ الطوسي
394
التبيان في تفسير القرآن
كئيب ، وهو المغموم الذي يطبق فاه ، ولا يتكلم للغم الذي به ، مأخوذ به الكظامة وهو سد فم القربة . وقوله " يتوارى من القوم " أي يختبئ ويختفي من القوم " من سوء ما يشربه " من الأنثى ، تميل نفسه بين أن " يمسكه على هون " أي على هوان ومشقة ، ومنه قوله " عذاب الهون " ( 1 ) وهي لغة قريش ، قال الشاعر : فلست بوقاف على هون ( 2 ) وقال الحطيئة : فلما خشيت الهون والعير ممسك * على رغمه ما أثبت الخيل حافره ( 3 ) وبعض تميم يجعلون الهون من الشئ اللين ، قال سمعت من بعضهم إن كان لقليل فهو هون المؤنة ، فإذا قالوا أقبل يمشي على هون ، لم يقولوا إلا بفتح الهاء ، ومنه قوله " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا " ( 4 ) قال المبرد : الهون بضم الهاء لا أعرفه في الرفق ، وإنما هو بفتح الهاء ، كما يقال : سر عليه هونا أي رفقا " أم يدسه في التراب " أي هو يميل بين إمساكه على مذلة أو دفنه حيا في التراب . ثم أخبر تعالى فقال " ألا ساء ما يحكمون " اي بئس الحكم الذي يحكمون ، يجعلون لنفوسهم ما يشتهون ، ويجعلون لله ما يكرهونه ! ! . ثم قال تعالى " للذين لا يؤمنون " اي لا يصدقون بالبعث والنشور والدار الآخرة " مثل السوء . ولله المثل الاعلى " اي لهم بذلك وصف سوء ، ولله الوصف الاعلى ، من اخلاص التوحيد ، ولا ينافي هذا قوله " فلا تضربوا لله الأمثال " ( 5 ) لأنه بمعنى الأمثال التي توجب الأشباه ، فأما الأمثال التي يضربها الله للناس لما فيها من الحكمة من غير تشبيه له تعالى بخلقه ، فحق وصواب ، كما قال تعالى " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون " ( 6 ) قال الرماني : وفي الآيات دلالة
--> ( 1 ) سورة الأنعام آية 93 وسورة الاحقاق اية 20 ( 2 ) لم أجده فيما رجعت إليه ( 3 ) مجمع البيان 3 / 366 ( 4 ) سورة الفرقان اية 63 ( 5 ) سورة النحل اية 74 ( 6 ) سورة العنكبوت اية 43