الشيخ الطوسي
336
التبيان في تفسير القرآن
قوله تعالى : ( قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولا غوينهم أجمعين ( 39 ) إلا عبادك منهم المخلصين ) ( 40 ) آيتان بلا خلاف . لما أجاب الله تعالى إبليس إلى الانظار إلى يوم الوقت المعلوم ، قال عند ذلك يا رب " بما أغويتني " اي فيما خيبتني من رحمتك ، لان الغي الخيبة قال الشاعر . فمن يلق خيرا يحمد الناس امره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما ( 1 ) وقال قوم : معناه بما نسبتني إلى الغي ذما لي ، وحكمت علي بالغي . وقال البلخي : معناه فيما كلفتني السجود لآدم الذي غويت عنده ، فسمي ذلك غواية ، كما قال " فزادتهم رجسا إلى رجسهم " ( 2 ) لما ازدادوا عندها ، على أن هذا حكاية قول إبليس ، ويجوز أن يكون اعتقد ان الله خلق فيه الغواية ، فكفر بذلك ، كما كفر بالامتناع من السجود . والباء في قوله " فبما أغويتني " قيل في معناها قولان : أحدهما - ان معناها القسم ، كقولك بالله لأفعلن . والآخر - بخيبتي " لأغوينهم " كأنها سبب لاغوائهم ، كقولك بمعصيته ليدخلن النار ، وبطاعته ليدخلن الجنة . والاغواء الدعاء إلى الغي ، والاغواء خلاف الارشاد ، فهذا أصله ، وقد يكون الاغواء بمعنى الحكم بالغي ، على وجه الذم والتزيين جعل الشئ منقلبا في النفس من جهة الطبع والعقل ، بحق أم بباطل . واغواء الشيطان تزيينه الباطل حتى يدخل صاحبه فيه ، ويرى ان الحظ بالدخول فيه . و " لأغوينهم " اي أدعوهم إلى ضد الرشاد ، ثم استثنى من جملتهم عباد الله المخلصين الذين أخلصوا عبادتهم لله وامتنعوا من إجابة الشيطان ، في ارتكاب المعاصي ، لأنه ليس للشيطان عليهم
--> ( 1 ) مر هذا البيت في 2 : 312 ، 4 : 391 ، 5 : 548 ( 2 ) سورة التوبة آية 126