الشيخ الطوسي
324
التبيان في تفسير القرآن
" بل نحن قوم مسحورون " أي يقولون : سحرنا ، فنحن مسحورون والسحر حيلة خفية ، توهم معنى المعجزة من غير حقيقة ، ولهذا من عمل بالسحر كان كافرا ، لأنه يدعي المعجزة للكذابين ، فلا يعرف نبوة الصادقين . وقال أبو عبيدة : سكرت أبصار القوم إذا أدير بهم ، وغشيهم كالساتر فلم يبصروا . وروي ابن خالويه عن الزهري أنه قرأ " سكرت " بفتح السين وكسر الكاف ، والتخفيف أي اختلطت وتغيرت عقولهم . قوله تعالى : ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين ( 16 ) وحفظناها من كل شيطان رجيم ( 17 ) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ) ( 18 ) ثلاث آيات بلا خلاف . أخبر الله تعالى أنه جعل في السماء بروجا . والجعل قد يكون تصيير الشئ عن صفة لم يكن عليها . وقد يكون بالايجاد له . والله تعالى قادر ان يجعل في السماء بروجا من الوجهين ، والبرج : ظهور منزل ممتنع بارتفاعه ، فمن ذلك برج الحصن ، وبرج من بروج السماء الاثني عشر ، وهي منازل الشمس والقمر . وأصله الظهور ، يقال : تبرجت المرأة إذا أظهرت زينتها . وقال الحسن ومجاهد وقتادة : المراد بالبروج النجوم . وقوله " وحفظناها من كل شيطان رجيم " يحتمل أن تكون الكناية راجعة إلى السماء ، والى البروج . وحفظ الشئ جعله على ما ينفي عنه الضياع ، فمن ذلك حفظ القرآن بدرسه ومراعاته ، حتى لا ينسى ، ومنه حفظ المال بإحرازه بحيث لا يضيع بتخطف الأيدي له ، وحفظ السماء من كل شيطان بالمنع بما أعد له من الشهاب . والرجم بمعنى المرجوم ، والرجم الرمي بالشئ بالاعتماد من غير آلة مهيأة للإصابة ، فان النفوس يرمى عنها ولا ترجم .