الشيخ الطوسي

158

التبيان في تفسير القرآن

ومن قرأ بالياء حمله ، على أنه يتبوء يوسف حيث يشاء هو نفسه . اخبر الله تعالى أنه كما لطف ليوسف حين اخرجه من السجن وخلصه من المهالك كذلك مكنه من التصرف ، والمقام في الأرض حيث يشاء كيف يشاء ، وقال الجبائي : كان هذا التمكن ليوسف ثوابا من الله على طاعته واحسانه الذي تقدم منه في الدنيا . وقال غيره : ليس في ذلك دلالة على أنه ثواب ، ويجوز أن يكون تفضلا عليه بذلك من غير أن ينقص من ثوابه شئ ، والتمكين الاقدار بما يتسهل به الفعل من رفع الموانع وايجاد الآلات والالطاف وغير ذلك مما يحتاج إليه في الفعل . والتبوء هو اتخاذ منزل يرجع إليه واصله الرجوع من " باؤا بغضب من الله " قال الشاعر : فان تكن القتلى بواء فإنكم * فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر ( 1 ) اي يرجع بدم بعضها على بعض ، فان هذا المقتول لاكفاء لدمه . وقوله " نصيب برحمتنا من نشاء " اخبار منه تعالى انه يفعل رحمته بمن يشاء من عباده على وجه التفضل عليهم والاحسان إليهم ، وانه لا يضيع اجر الذين يحسنون افعالهم ويفعلون ما أمرهم الله به على وجهه ، بل يثيبهم على ذلك . والاحسان على ثلاثة أوجه : أحدها - ان يحسن إلى غيره ، فذلك انعام . وثانيها - ان يحسن إلى نفسه بأن ينفعها نفعا حسنا . وثالثها - ان يفعل حسنا مبهما لا يضيفه إلى نفسه ولا إلى غيره . واللام في قوله " مكنا ليوسف " يحتمل أن يكون مثل قوله " ردف لكم " ( 2 ) و " للرؤيا تعبرون " ( 3 ) بدلالة قوله " مكناهم فيما ان مكناكم فيه " ( 4 ) وقوله " مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " ( 5 ) " ويتبوء " في موضع نصب على الحال .

--> ( 1 ) قائلة ليلى الأخيلية ، قد مر في 1 : 378 وهو في اللسان ( بوأ ) ( 2 ) سورة النمل آية 72 ( 3 ) سورة يوسف آية 44 ( 4 ) سورة الأحقاف آية 26 ( 5 ) سورة الأنعام آية 6