الشيخ الطوسي
352
التبيان في تفسير القرآن
ثم نبهه تعالى على وجوه النعمة التي أنعم بها عليه ليستدل بها على توحيده وخلع الأنداد دونه بقوله ( ألم نجعل له عينين ) ليبصر بهما ( ولسانا وشفتين ) لينطق بهما ( وهديناه النجدين ) ليستدل بهما . وفي ذلك دليل واضح على أنه صادر من مختار لهذه الأفعال التي فعلها بهذه الوجوه ، فأحكمها لهذه الأمور ، فالمحكم المتقن لا يكون إلا من عالم ، وتعليقه بالمعاني لا يكون إلا من مختار ، لأنه لا يعلق الفعل بالمعاني إلا في الإرادة . وقال ابن مسعود : وابن عباس : معنى هديناه النجدين : نجد الخير والشر ، وبه قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة ، وفي رواية عن ابن عباس أنهما الثديان ، والنجدان الطريقان للخير والشر . وأصل النجد للعلو ونجد بلد سمي نجد العلوة عن انجفاض تهامة ، وكل عال من الأرض نجد ، والجمع نجود ، ورجل نجد بين النجدة إذا كان جلدا قويا ، لاستعلائه على قوته ، واستنجدت فلانا فانجدني أي استعنته على خصمي فأعانني ، والنجد الكرب والغم ، والنجاد ما على العاتق من حمالة السيف ، وشبه طريق الخير والشر بالطريقين العاليين لظهوره فيهما . قوله تعالى : فلا اقتحم العقبة ( 11 ) وما أدريك ما العقبة ( 12 ) فك رقبة ( 13 ) أو إطعام في يوم ذي مسغبة ( 14 ) يتيما ذا مقربة ( 15 ) أو مسكينا ذا متربة ( 16 ) ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ( 17 ) أولئك أصحاب الميمنة ( 18 ) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة ( 19 ) عليهم نار مؤصدة ) ( 20 ) عشر آيات .