الشيخ الطوسي

239

التبيان في تفسير القرآن

( الذي هم فيه مختلفون ) قال قتادة : معناه الذي هم فيه بين مصدق ومكذب ، فقال الله سبحانه مهدد الهم ومتوعدا ( كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ) ومعنى ( كلا ) ردع وزجر ، كأنه قال ارتدعوا وانزجروا ليس الامر كما ظننتم . وقال قوم : معناه حقا سيعلمون عاقبة أمرهم وعائد الوبال عليهم . وقال الضحاك : معناه كلا سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم ، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم . وقال قوم : كلا سيعلمون ما ينالهم يوم القيامة من العذاب ، ثم كلا سيعلمون ما ينالهم في جهنم من العذاب ، فلا يكون تكرارا . والاختلاف ذهاب كل واحد من النفيسين إلى نقيض ما ذهب إليه الاخر ، يقال : اختلفا في المعنى فذهب أحدهما إلى كذا ، وذهب الاخر إلى كذا . ثم نبههم على وجه الاستدلال على صحة ذلك فقال ( ألم نجعل الأرض مهادا ) أي وطاء ، وهو القرار المهيأ للتصرف فيه من غير أذية . وقال قتادة : للهاد البساط ومهد الأرض تمهيدا مثل وطأه توطئة ، لان ذلك لا يقدر عليه غير الله ، لأنه الذي يسكن الأرض حالا بعد حال حتى يمكن الاستقرار عليها والتصرف فيها ( والجبال أوتادا ) أي وجعلنا الجبال أوتادا للأرض لئلا تميد بهم ، فالجبال جمع جبل ، وهو بغلظه وثقله يبلغ أن يكون ممسكا للأرض عن أن تميد بثقله ، فعلى ذلك دبره الله ، وذكر العباد به وما فيه من العبرة بعظمة من يقدر عليه . والوتد المسمار إلا أنه أغلظ منه ، لذلك يقال : مسامير العناء إذا دقت كالمسمار من الحديد في القوة والدقة ، ولو غلظت صارت أوتادا فكذلك وصفت الجبال بأنها أوتاد للأرض إذ جعلت بغلظها ممسكة لها عن أن تميد باهلها . وقوله ( وجعلناكم أزواجا ) أي اشكالا كل واحد يشاكل الاخر . وقيل : معناه ذكرا وأنثى حتى يصح منكم التناسل . وقوله ( وجعلنا نومكم سباتا ) أي نعاسا في أوله تطلب النفس الراحة به .