الشيخ الطوسي

16

التبيان في تفسير القرآن

ما قلناه من التوكيد ، كما يقول القائل : كلمته بلساني ، ونظرت إليه بعيني ، ويقال بين زيد وبين عمرو ، وإنما البين واحد . والمراد بين زيد وعمرو وقال الشاعر أوس بن الحجر : ألم تكسف الشمس شمس النهار * مع النجم والقمر الواجب ( 1 ) والشمس لا تكون إلا بالنهار ، فأكد ذكرنا هذه الجملة تنبيها عن الجواب عما لم نذكره ، ولعلنا نستوفيه فيما بعد إذا جرى ما يقتضي ذكره ولولا عناد الملحدين ، وتعجرفهم ، لما احتيج إلى الاحتجاج بالشعر وغيره للشئ المشتبه في القرآن ، لان غاية ذلك أن يستشهد عليه ببيت شعر جاهلي ، أو لفظ منقول عن بعض الاعراب ، أو مثل سائر عن بعض أهل البادية . ولا تكون منزلة النبي صلى الله عليه وآله - وحاشاه من ذلك - أقل من منزلة واحد من هؤلاء . ولا ينقص عن رتبة النابغة الجعدي ، وزهير بن الكعب وغيرهم ومن طرائف الأمور ان المخالف إذا أورد عليه شعر من ذكرناه ، ومن هو دونهم سكنت نفسه ، واطمأن قلبه وهو لا يرضى بقول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ومهما شك الناس في نبوته ، فلا مربة في نسبه ، وفصاحته ، فإنه نشأ بين قومه الذين هم الغاية القصوى في الفصاحة ، ويرجع إليهم في معرفة اللغة . ولو كان المشركون من قريش وغيرهم وجدوا متعلقا عليه في اللحن والغلط والمناقضة ، لتعلقوا به ، وجعلوه حجة وذريعة إلى اطفاء نوره وابطال امره ، واستغنوا بذلك عن تكلف ما تكلفوه من المشاق في بذل النفوس والأموال . ولو فعلوا ذلك لظهر واشتهر ، ولكن حب الالحاد والاستثقال لتحمل العبادات ، والميل إلى الفواحش أعماهم وأصمهم ، فلا يدفع أحد من الملحدين - وان جحدوا نبوته صلى الله عليه وآله - انه اتى بهذا القرآن ، وجعله حجة لنفسه ، وقرأه على العرب وقد علمنا أنه ليس بأدون الجماعة في الفصاحة وكيف يجوزان يحتج بشعر الشعراء عليه ، ولا يجوز أن يحتج بقوله عليهم وهل هذا إلا عناد محض ، وعصبية صرف ؟ وإنما يحتج علماء

--> ( 1 ) الواجب : الغائب