الشيخ الطوسي

393

التبيان في تفسير القرآن

شئ خلف شيئا ، فقد انتسخه ، ونسخت الشمس الظل ، وانتسخ الشيب الشباب . وقال صاحب العين : النسخ ان تزيل امرا كان من قبل يعمل به ، ثم تنسخه بحادث غيره . كالآية نزل فيها امر ، ثم يخفف الله عن العباد بنسخها بآية أخرى ، فالآية الأولى منسوخة ، والثانية ناسخة . وتناسخ الورثة أن تموت ورثة بعد ورثة واصل الميراث قائم لم يقسم ، وكذلك تناسخ الأزمنة من القرون الماضية . واصل الباب : الابدال من الشئ غيره . وقال الرماني : النسخ الرفع ، لشئ قد كان يلزمه العمل به إلى بدل ، وذلك كنسخ الشمس بالظل لأنه يصير بدلا منها - في مكانها - وهذا ليس بصحيح ، لأنه ينتقض بمن تلزمه الصلاة قائما ثم يعجز عن القيام ، فإنه يسقط عنه القيام لعجزه . ولا يسمى العجز ناسخا ، ولا القيام منسوخا ، وينتقض بمن يستبيح بحكم العقل عند من قال بالإباحة ، فإذا ورد الشرع يحظره ، لا يقال الشرع نسخ حكم العقل ، ولا حكم العقل يوصف بأنه منسوخ ، فإذا الأولى في ذلك ما ذكرناه في أول الكتاب : وهو ان حقيقة كل دليل شرعي دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص الأول غير ثابت فيما بعد على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول مع تراخيه عنه ، فإذا ثبت ذلك ، فالنسخ في الشرع : على ثلاثة أقسام . نسخ الحكم دون اللفظ ، ونسخ اللفظ دون الحكم ، ونسخهما معا . فالأول - كقوله : " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مأتين " إلى قوله : " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مأة صابرة يغلبون مأتين " ( 1 ) ، فكان الفرض الأول وجوب ثبات الواحد للعشرة ، فنسخ بثبوت الواحد للاثنين ، وغير ذلك من الآي المنسوخ ، حكمها ، وتلاوتها ثابتة ، كآية العدة ، وآية حبس من يأتي بالفاحشة ، وغير ذلك والثاني - كآية الرجم . قيل إنها كانت منزلة فرفع لفظها وبقي حكمها . والثالث - هو مجوز وان لم يقطع بأنه كان . وقد روي عن أبي بكر انه كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر ( 2 )

--> ( 1 ) سورة الأنفال : آية 65 ، 66 . ( 2 ) في المطبوعة زيادة ( بكم )