الشيخ الطوسي
354
التبيان في تفسير القرآن
وقوله : " قالوا سمعنا وعصينا " كأن الكلام خرج مخرج الخبر عن الغائب بعد أن كان الابتداء بالخطاب ، لما تقدم ذكره من ابتداء الكلام ، إذ كان حكاية . والعرب تخاطب ، ثم تعود بعد ذلك إلى الخبر عن الغائب ، ثم تخاطب ، لان قوله : " وإذ أخذنا ميثاقكم " بمعنى قلنا لكم ، فأجبتمونا ، وقوله : " سمعنا " إخبار من الله تعالى عن اليهود الذين أخذنا ميثاقهم ان يعملوا بما في التوراة ، وان يطيعوا الله بما يسمعون منها انهم قالوا حين قيل لهم ذلك : سمعنا قولك ، وعصينا أمرك ويحتمل أن يكون ما قالوه لكن فعلوا ما يدل على ذلك ، فقام الفعل مقام القول . كما قال الشاعر : امتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني ( 1 ) وقوله : " واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم " فيه وجوه : أحدهما - ما قال قتادة وأبو العالية : واشربوا في قلوبهم حب العجل . يقال أشرب قلبه حب كذا وكذا قال زهير : فصحوت عنها بعد حب داخل * والحب يثربه فؤادك داء ( 2 ) وقالت اعرابية : باهلي من عادى ونفسي فداؤه * به هام قلبي منذ حين ولا يدري هوى أشربته النفس أيام جهلها * ولح عليه القلب في سالف الدهر وقال السدي : لما رجع موسى إلى قومه اخذ العجل الذي وجدهم عاكفين عليه ، فذبحه ثم حرقه بالمبرد ، ثم ذراه في اليم فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شئ منه ، ثم قال اشربوا فشربوا ، فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب . والأول عليه أكثر محصلي المفسرين وهو الصحيح ، لأن الماء لا يقال فيه : أشرب منه فلان في قلبه ، وإنما يقال ذلك : في حب الشئ على ما بيناه ، ولكن يترك ذكر الحب اكتفاء بفهم السامع ، لمعنى الكلام ، إذ كان معلوما ان العجل لا يشربه القلب
--> ( 1 ) اللسان ( قطط ) وروايته ( سلا ) بدل ( مهلا ) . ( 2 ) ديوانه : 339 . وروايته ( تشربه ) بضم التاء وسكون الشين وكسر الراء .