الشيخ الطوسي

288

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى : " ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين " ( 64 ) آية . قوله توليتم : أعرضتم ووزنه : تفعلتم من قولهم ولاني فلان دبره : إذا استدبر عنه وجعله خلف ظهره . ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة آمر ومعرض بوجهه . يقال : فلان تولى عن طاعة فلان ، ويتولى عن مواصلته وصداقته ، ومنه قوله : " فلما اتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهو معرضون " ( 1 ) يعني خالفوا ما وعد الله من قوله : " لئن اتانا الله امن فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين " ( 2 ) ونبذوا ذلك وراء ظهورهم فصار معنى الآية انكم نبذتم العهد الذي اخذناه عليكم بعد اعطائكم المواثيق . وكنى بذلك عن جميع ما تقدم ذكره في الآية ، ثم قال : " فلولا فضل الله عليكم " يعني فلولا ان فضل الله عليكم بالتوبة بعد نكثكم الميثاق الذي واثقتموه إذ رفع فوقكم الطور فاجتهدتم في طاعته ، وأداء فرائضه ، وانعم عليكم بالاسلام ، وبرحمته التي رحمكم بها ، فتجاوز عن خطيئتكم بمراجعتكم ( 3 ) طاعة ربكم لكنتم من الخاسرين . وهذا وإن كان خطابا لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله " ص " فإنما هو خبر عن اسلافهم . فأخرج الخبر مخرج الخبر عنهم . على نحو ما مضى ذكره . وقال قوم : الخطاب في هذه الآية إنما اخرج بإضافة الفعل إلى المخاطبين والفعل لغيرهم لان المخاطبين إنما كانوا يتولون من كان فعل ذلك من أوائل بني إسرائيل ، فصيرهم الله منهم ، من اجل ولايتهم لهم . وقال بعضهم : إنما قال لهم ذلك ، لان سامعيه كانوا عالمين . وان الخطاب خرج مخرج الخطاب للاحياء من بني إسرائيل ، وأهل الكتاب - وإن كان المعنى في ذلك إنما هو خبر عما مضى من اسلافهم - ومثل ذلك قول الشاعر :

--> ( 1 ) سورة التوبة : آية 77 ( 2 ) سورة التوبة آية 76 ( 3 ) في المطبوعة " ثم احفتكم " والمخطوطة " احفتكم " وهو تحريف فاحش .