الشيخ الطوسي

117

التبيان في تفسير القرآن

هذه الجملة ، رجعنا إلى تأويل الآية ، وهو قوله : " يضل به كثيرا " معناه أن الكافرين لما ضرب الله لهم الأمثال قالوا : ما الحاجة إليها ؟ قال الله تعالى : فيها أعظم الفائدة : لأنها محنة واختبار وبهما يستحق الثواب ، ويوصل إلى النعيم فسمى المحنة اضلالا وهداية ، لان المحنة إذا اشتدت على الممتحن وثقلت فضل عندها ، جاز أن تسمى اضلالا ، فإذا سهلت فاهتدى عندها ، سميت هداية ، كما أن الرجل يقول لصاحبه : ما يفعل فلان ؟ فيقول هو ذا يسخي قوما ويبخل قوما آخرين أي يسأل قوما فيشتد عليهم للعطاء فيبخلون ، ويسأل آخرين ، فيسهل عليهم فيعطون ويجودون ، فسمي سؤاله باسم ما يقع عنده ويعقبه فمعنى قوله : " يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " أي يمتحن به عباده ، فيضل به قوم كثير ، ويهتدي به قوم كثير ولا يجب على ذلك أن يكون أراد إضلالهم كما لا يجب ذلك في السائل الذي لا يريد بخل المسؤول ، بل يريد إعطاءه فان قيل : أليس الله تعالى امتحن بهذه الأمثال المؤمنين كما امتحن بها الكافرين ، فيجب أن يكون مضلا لهم ؟ قلنا : إنما سمى المحنة الشديدة إضلالا إذا وقع عندها الضلال كما أن السؤال يسمى تبخيلا إذا وقع عنده البخل وقال قوم : معنى قوله : " يضل به كثيرا " يعني يضل بالتكذيب بهذه الأمثال كثيرا ويهدي بالايمان كثيرا ، لأنه لو كان سببا للضلال لما وصفه الله بأنه هدى وبيان وشفاء لما في الصدور وحذف التكذيب والاقرار اختصارا ، لان في الكلام ما يدل عليه كما يقول القائل : نزل السلطان فسعد به قوم وشقي به آخرون وإنما يراد به سعد باحسانه قوم وشقي بإساءته آخرون لا بنزول جيشه ، لأنه نفسه لا يقع به سعادة ولا شقاء وكما قال : " وأشربوا في قلوبهم العجل " وإنما أراد حب العجل وذلك كثير وقد بينا أن الاضلال والهداية يعبر بهما عن العذاب والثواب ، فعلى هذا يكون تقدير الآية : يضل أي يعذب بتكذيب القرآن ، والأمثال كثيرا ، ويهدي أي يثيب بالاقرار به كثيرا والدليل على