الشيخ الطوسي

118

التبيان في تفسير القرآن

ما قلناه قوله : " وما يضل به إلا الفاسقين " فلا يخلو أن يكون أراد ما قلناه من العقوبة على التكذيب ، أو أراد به الحيرة والتشكيك ، وقد ذكرنا انه لا يفعل الحيرة المتقدمة التي بها صاروا ضلالا فساقا ، لم يفعلها الله إلا بحيرة قبلها ، وهذا يوجب مالا نهاية له من حيرة قبل حيرة ، لا إلى أول ، أو اثبات إضلال لا إضلال قبله ، فإن كان الله قد فعل هذا الضلال الذي لم يقع قبله ضلال فقد أضل من لم يكن فاسقا ، وهذا خلاف قوله : " وما يضل به إلا الفاسقين " فثبت أنه أراد أنه لا يعاقب إلا الفاسقين ، كما قال : " ويضل الله الظالمين ويفعل ما يشاء ( 1 ) وحكى الفراء وجها آخوا مليحا ، قال : قوله " ماذا أراد الله بهذا مثلا ، يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " حكاية عمن قال ذلك ، كأنهم قالوا : ماذا أراد بهذا مثلا يضل به كثيرا ، أي يضل به قوم ويهدي به قوم ، ثم قال الله : " وما يضل به إلا الفاسقين " فبين عز وجل الاضلال ، وأنه لا يضل إلا ضالا فاسقا ، واقتصر على الاخبار عنهم وبيان ما بين الاضلال دون ما أراد بالمثل ، وهذا وجه حسن تزول معه الشبهة وأصل الفسق في اللغة الخروج عن الشئ ، يقال منه : فسقت الرطبة إذا أخرجت من قشرها ، ومن ذلك سميت الفارة فويسقة ، لخروجها من حجرها ، ولذلك سمي المنافق والكافر فاسقين لخروجهما عن طاعة الله ، ولذلك قال الله تعالى في صفة إبليس : " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " ( 2 ) يعني خرج من طاعته واتباع أمره قوله تعالى : الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر

--> ( 1 ) سورة إبراهيم : آية 27 ( 2 ) سورة الكهف آية 51