الآلوسي
94
تفسير الآلوسي
الصحابة إلى يوم الدين ؛ وجوز أن يكون عطفاً على المنصوب في * ( ويعلمهم ) * أي ويعلمهم ويعلم آخرين فإن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستنداً إلى أوله فكأنه عليه الصلاة والسلام هو الذي تولى كل ما وجد منه واستظهر الأول ، والمذكور في الآية قوله صلى الله عليه وسلم ، وجنس الذين بعث فيهم ، وأما المبعوث إليهم فلم يتعرض له فيها نفياً أو إثباتاً ، وقد تعرض لإثباته في آياته أخر ، وخصوص القوم لا ينافي عموم ذلك فلا إشكال في تخصيص الآخرين بكونهم من الأميين أي العرب في النسب ، وقيل : المراد من الأميين في الأمية فيشمل العجم ، وبهم فسره مجاهد - كما رواه عنه ابن جرير . وغيره - وتعقب بأن العجم لم يكونوا أميين . وقيل : المراد منهم في كونهم منسوبين إلى أمة مطلقاً لا في كونهم لا يقرأون ولا يكتبون ، وهو كما ترى إلا أنه لا يشكل عليه - وكذا على ما قبله - ما أخرجه البخاري . والترمذي . والنسائي . وجماعة عن أبي هريرة قال : " كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزلت سورة الجمعة فتلاها فلما بلغ * ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) * قال له رجل : يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا ؟ فوضع يده على سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه ، وقال : والذي نفسي بيده لو كان الايمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء فإنه صلى الله عليه وسلم أشار بذلك إلى أنهم فارس ، ومن المعلوم أنهم ليسوا من الأميين المراد بهم العرب في النسب . وقال بعض أهل العلم : المراد بالأميين مقابل أهل الكتاب لعدم اعتناء أكثرهم بالقراءة والكتابة لعدم كتاب لهم سماوي تدعوهم معرفته إلى ذلك فيشمل الفرس إذ لا كتاب لهم كالعرب ، وعلى ذلك يخرج ما أشار إليه الحديث من تفسير الآخرين بالفرس وهو مع ذلك من باب التمثيل ، والاقتصار على بعض الأنواع بناءاً على أن بعض الأمم لا كتاب لهم أيضاً ، وربما يقال : إن - من - في * ( منهم ) * اسمية بمعنى بعض مبتدأ كما قيل في قوله تعالى : * ( ومن الناس من يقول ) * وضمير الجمع - لآخرين - وجملة * ( لما يلحقوا بهم ) * خبر فيشمل آخرين ، طوائف الناس الذين يلحقون إلى يوم القيامة من العرب والروم والعجم وغيرهم ؛ وبذلك فسره الضحاك . وابن حيان . ومجاهد في رواية ، ويكون الحديث من باب الاقتصار والتمثيل كقول ابن عمر : هم أهل اليمن ، وابن جبير هم الروم والعجم فتدبر . وزعم بعضهم أن المراد بقوله تعالى : * ( لما يلحقوا بهم ) * أنهم لم يلحقوا بهم في الفضل لفضل الصحابة على التابعين ومن بعدهم ، وفيه أن * ( لما ) * منفيها مستمر إلى الحال ويتوقع وقوعه بعده فتفيد أن لحوق التابعين ومن بعدهم في الفضل للصحابة متوقع الوقوع مع أنه ليس كذلك ، وقد صرحوا أنه لا يبلغ تابعي وإن جل قدراً في الفضل مرتبة صحابي وإن لم يكن من كبار الصحابة ، وقد سئل عبد الله بن المبارك عن معاوية . وعمر بن عبد العزيز أيهما أفضل ؟ فقال : الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية أفضل عند الله من مائة عمر بن عبد العزيز فقد صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ * ( اهدنا الصراط المستقيم ) * الخ فقال معاوية : آمين ، واستدل على عدم اللحوق بما صح من قوله عليه الصلاة والسلام فيهم : " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه " على القول بأن الخطاب لسائر الأمة ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أم آخر " فمبالغة في خيريتهم كقول القائل في ثوب حسن البطانة : لا يدري ظهارته خير أم بطانته . * ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ واللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) * . * ( ذالكَ ) * إشارة إلى ما تقدم من كونه عليه الصلاة والسلام رسولاً في الأميين ومن