الآلوسي
95
تفسير الآلوسي
بعدهم معلماً مزكياً وما فيه من معنى البعد للتعظيم أي ذلك الفضل العظيم * ( فَضْلُ الله ) * وإحسانه جل شأنه * ( يُؤْتيه مَنْ يَشَاءُ ) * من عباده تفضلاً ، ولا يشاء سبحانه إيتاءه لا حد بعده صلى الله عليه وسلم . * ( وَاللَّهُ ذُو الفَضْل العَظيم ) * الذي يستحقر دونه نعم الدنيا والآخرة . * ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ باايَاتِ اللَّهِ واللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * . * ( مَثَلُ الَّذينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ) * أي علموها وكلفوا العمل بما فيها ، والتحميل في هذا شائع يلحق بالحقيقة ، والمراد بهم اليهود * ( ثُمَّ لَمْ يَحْملُوهَا ) * أي لم يعلموا بما في تضاعيفها التي من جملتها الآيات الناطقة بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم . * ( كَمَثَل الحمَار يَحْملُ أَسْفَاراً ) * أي كتباً كباراً على ما يشعر به التنكير ، وإيثار لفظ السفر وما فيه من معنى الكشف من العلم يتعب بحملها ولا ينتفع بها ، و * ( يحمل ) * إما حال من - الحمار - لكونه معرفة لفظاً والعامل فيه معنى المثل ، أو صفة له لأن تعريفه ذهني فهو معنى نكرة فيوصف بما توصف به على الأصح . ونسب أبو حيان للمحققين تعين الحالية في مثل ذلك ، ووجه ارتباط الآية بما قبلها تضمنها الإشارة إلى أن ذلك الرسول المبعوث قد بعثه الله تعالى بما نعته به في التوراة وعلى ألسنة أنبياء بني إسرائيل كأنه قيل : هو الذي بعث المبشر به في التوراة المنعوت فيها بالنبي الأمي المبعوث إلى أمة أميين ؛ مثل من جاءه نعته فيها وعلمه ثم لم يؤمن به مثل الحمار ، وفي الآية دليل على سوء حال العالم الذي لا يعمل بعلمه ، وتخصيص الحمار بالتشبيه به لأنه كالعلم في الجهل ، ومن ذلك قول الشاعر : ذوامل للأسفار لا علم عندهم * بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا * بأوساقه أوراح ما في الغرائر بناءاً على نقل عن ابن خالويه أن البعير اسم من أسماء الحمار كالجمل البازل ، وقرأ يحيى بن يعمر . وزيد بن علي * ( حملوا ) * مبنياً للفاعل ، وقرأ عبد الله - حمار - بالتنكير ، وقرئ * ( يحمل ) * بشد الميم مبنياً للمفعول . * ( بِئْسَ مَثَلُ القَوْم الَّذينَ كَذَّبُوا بآيَات الله ) * أي بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا فحذف المضاف وهو المخصوص بالذم وأقيم المضاف إليه مقامه ، ويجوز أن يكون * ( الذين ) * صفة القوم ، والمخصوص محذوف أي بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله هو ، والضمير راجع إلى * ( مثل الذين حملوا التوراة ) * ، وظاهر كلام الكشاف أن المخصوص هو * ( مثل ) * المذكور ، والفاعل مستتر يفسره تمييز محذوف ، والتقدير بئس مثلاً مثل القوم الخ ، وتعقب بأن سيبويه نص على أن التمييز الذي يفسر الضمير المستتر في باب نعم لا يجوز حذفه ولو سلم جوازه فهو قليل ، وأجيب بأن ذاك تقرير لحاصل المعنى وهو أقرب لاعتبار الوجه الأول ، وكان قول ابن عطية التقدير بئس المثل مثل القوم من ذلك الباب ، وإلا ففيه حذف الفاعل ، وقد قالوا بعدم جوازه إلا في مواضع ليس هذا منها * ( وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالمينَ ) * أي الواضعين للتكذيب في موضع التصديق ، أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد بسبب التكذيب . * ( قُلْ ياأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * . * ( قُلْ يَا أيُّهَا الَّذينَ هَادُوا ) * أي تهودوا أي صاروا يهوداً * ( إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكْمْ أوْليَاءُ لله ) * أي أحباء له سبحانه ولم يضف أولياء إليه تعالى كما في قوله سبحانه : * ( ألا إن أولياء الله ) * قال الطيبي : ليؤذن بالفرق بين مدعي الولاية ومن يخصه عز وجل بها * ( مِنْ دُون النَّاس ) * حال من الضمير الراع إلى اسم * ( إن ) * أي