الآلوسي

88

تفسير الآلوسي

يدعو يقال : دعاه وادعاه نحو لمسه والتمسه ، وقيل : الفاعل ضمير المفتري ، وادعى يتعدى بنفسه إلى المفعول به لكنه لما ضمن معنى الانتماء والانتساب عدي بإلى أي وهو ينتسب إلى الإسلام مدعياً أنه مسلم وليس بذاك ، وعنه * ( يدعي ) * مضارع ادعى أيضاً لكنه مبني للمفعول ، ومعناه كما سبق ، والآية فيمن كذب من هذه الأمة على ما يقتضيه ما بعد ، وهي إن كانت في بني إسرائيل الذين جاءهم عيسى عليه السلام ففيها تأييد لمن ذهب إلى عدم اختصاص الإسلام بالدين الحق الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم . * ( وَاللَّهُ لاَ يَهْدي القَوْمَ الظَّالمينَ ) * أي لا يرشدهم إلى ما فيه فلاحهم لسوء استعدادهم وعدم توجههم إليه . * ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) * . * ( يُريدُونَ ليُطْفئُوا نُورَ الله بأفْوَاههمْ ) * تمثيل لحالهم في اجتهادهم في إبطال الحق بحالة من ينفخ الشمس بفيه ليطفئها تهكماً وسخرية بهم كما تقول الناس : هو يطفئ عين الشمس ، وذهب بعض الأجلة إلى أن المراد بنور الله دينه تعالى الحق كما روي عن السدى على سبيل الاستعارة التصريحية ، وكذا في قوله سبحانه : * ( وَاللَّهَ مُتمُّ نُوره ) * و * ( متم ) * تجريد ، وفي قوله تعالى : * ( بأفواههم ) * تورية ، وعن ابن عباس . وابن زيد يريدون إبطال القرآن وتكذيبه بالقول ، وقال ابن بحر : يريدون إبطال حجج الله تعالى بتكذيبهم ، وقال الضحاك : يريدون هلاك الرسول صلى الله عليه وسلم بالأراجيف ، وقيل : يريدون إبطال شأن النبي صلى الله عليه وسلم وإخفاء ظهوره بكلامهم وأكاذيبهم ، فقد روي عن ابن عباس أن الوحي أبطأ أربعين يوماً فقال كعب بن الأشرف : يا معشر يهود أبشروا أطفأ الله تعالى نور محمد فيما كان ينزل عليه ، وما كان ليتم نوره فحزن الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت * ( يريدون ) * إلى آخره ، وفي * ( يريدون ليطفئوا ) * مذاهب : أحدها أن اللام زائدة والفعل منصوب بأن مقدرة بعدها ، وزيدت لتأكيد معنى الإرادة لما في لام العلة من الاشعار بالإرادة والقصد كما زيدت اللام في : لا أبالك لتأكيد معنى الإضافة ؛ ثانيها أنها غير زائدة للتعليل ، ومفعول * ( يريدون ) * محذوف أي يريدون الافتراء لأن يطفئوا ، ثالثها أن الفعل أعني * ( يريدون ) * حال محل المصدر مبتدأ واللام للتعليل والمجرور بها خبر أي إرادتهم كائنة للاطفاء ، والكلام نظير - تسمع بالمعيدي خير من أن تراه - من وجه ، رابعها أن اللام مصدرية بمعنى أن من غير تقدير والمصدر مفعول به ويكثر ذلك بعد فعل الإرادة والأمر ، خامسها أن * ( يريدون ) * منزل منزلة اللازم لتأويله بيوقعون الإرادة ، قيل : وفيه مبالغة لجعل كل إرادة لهم للاطفاء وفيه كلام في " شرح المغني " وغيره . وقرأ العربيان . ونافع . وأبو بكر . والحسن . وطلحة . والأعرج . وابن محيصن * ( متم ) * بالتنوين * ( نوره ) * بالنصب على المفعولية لمتم * ( وَلَوْ كَرهَ الكَافرُونَ ) * حال من المستكن في * ( متم ) * وفيه إشارة إلى أنه عز وجل متم ذلك إرغاماً لهم . * ( هُوَ الَّذِىأَرْسَلَ رَسُولَهُ بالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) * . * ( هُوَ الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ ) * محمداً صلى الله عليه وسلم * ( بالْهُدَى ) * بالقرآن ، أو بالمعجزة بجعل ذلك نفس الهدى مبالغة * ( وَدين الحَقِّ ) * والملة الحنيفية * ( ليُظْهرَهُ عَلَى الدين كُلِّه ) * ليعليه على جميع الأديان المخالفة له ، ولقد أنجز الله عز وجل وعده حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام . وعن مجاهد إذا نزل عيسى عليه السلام لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام ، ولا يضر في ذلك ما ورد من أنه يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه من الإسلام إلا اسمه إذ لا دلالة في الآية على الاستمرار ، وقيل : المراد بالاظهار الاعلاء من حيث وضوح الأدلة وسطوع البراهين وذلك أمر مستمر أبداً * ( وَلَوْ كَرهَ المُشْركُونَ ) *