الآلوسي

160

تفسير الآلوسي

أن لا يكون بتقدير عدم استدامة الندم وتذكره تائباً ، وأن يجب عليه إعادة التوبة وهو خلاف الإجماع ، نعم اختلف العلماء فيمن تذكر المعصية بعد التوبة منها ، هل يجب عليه أن يجدد الندم ؟ وإليه ذهب القاضي منا . وأبو علي من المعتزلة زعماً منهما أنه لو لم يندم كلما ذكرها لكان مشتهياً لها فرحاً بها ، وذلك إبطال للندم ورجوع إلى الإصرار ، والجواب المنع إذ ربما يضرب عنها صفحاً من غير ندم عليها ولا اشتهاء لها وابتهاج بها ولو كان الأمر كما ذكر للزم أن لا تكون التوبة السابقة صحيحة ، وقد قال القاضي نفسه : إنه إذا لم يجدد ندماً كان ذلك معصية جديدة يجب الندم عليها والتوبة الأولى مضت على صحتها إذ العبادة الماضية لا ينقضها شيء بعد ثبوتها انتهى . وبعدم وجوب التجديد عند ذكر المعصية صرح إمام الحرمين ، ويفهم من كلامهم أن محل الخلاف إذا لم يبتهج عند ذكر الذنب به ويفرح ويتلذذ بذكره أو سماعه ، وإلا وجب التجديد اتفاقاً ، وظاهر كلامهم أن المعاودة غير مبطلة ولو كانت في مجلس التوبة بل ولو تكررت تكراراً يلتحق بالتلاعب ، وفي هذا الأخير نظر فقد قال القاضي عياض : إن الواقع في حق الله تعالى بما هو كفر تنفعه توبته مع شديد العقاب ليكون ذلك زجراً له . ولمثله إلا من تكرر ذلك منه وعرف استهانته بما أتى به فهو دليل على سوء طويته وكذب توبته انتهى . وينبغي عليه أن يقيد ذلك بأن لا تكثر كثرة تشعر بالاستعانة وتدخل صاحبها في دائرة الجنون ، واختلف في صحة التوبة الموقتة بلا إصرار كأن لا يللابس الذنوب أو ذنب كذا سنة فقيل : تصح ، وقيل : لا ، وفي " شرح الجوهرة " قياس صحتها من بعض الذنوب دون بعض صحتها فيما ذكر ، ثم إن للتوبة مراتب من أعلاها ما روى عن يعسوب المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه سمع أعرابياً يقول : اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك فقال : يا هذا إن سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين ، فقال الأعرابي : وما التوبة ؟ قال كرم الله تعالى وجهه : يجمعها ستة أشياء : على الماضي من الذنوب الندامة . وللفرائض الإعادة . ورد المظالم . واستحلال الخصوم . وأن تعزم على أن لا تعود . وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية . وأن تذيقها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعاصي ، وأريد بإعادة الفرائض أن يقضي منها ما وقع في زمان معصيته كشارب الخمر يعيد صلاته قبل التوبة لمخامرته للنجاسة غالباً ، وهذه توبة نحو الخواص فلا مستند في هذا الأثر لابن حزم وأضرابه كما لا يخفى ، ثم إنه تعالى بين فائدة التوبة بقوله سبحانه : * ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ وَيُدْخلَكُمْ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتهَا الأَنْهَارُ ) * قيل : المراد أنه عز وجل يفعل ذلك لكن جيء بصيغة الأطماع للجري على عادة الملوك فإنهم إذا أرادوا فعلاً قالوا : * ( عسى ) * أن نفعل كذا ، والإشعار بأن ذلك تفضل منه سبحانه والتوبة غير موجبة له . وإن العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء . وإن بالغ في إقامة وظائف العبادة ، واستدل بالآية على عدم وجوب قبول التوبة لأن التكفير أثر القبول ، وقد جيء معه بصيغة الأطماع دون القطع ، وهذه المسألة خلافية فذهب المعتزلة إلى أنه يجب على الله تعالى قبولها عقلاً وأتوا في ذلك بمقدمات مزخرفات ، وقال إمام الحرمين . والقاضي أبو بكر : يجب قبولها سمعاً ووعداً لكن بدليل ظني إذ لم يثبت في ذلك نص قاطع لا يحتمل التأويل ، وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري : بل بدليل قطعي ومحل النزاع بين الأشعري وتلميذيه ما عدا توبة الكافر أما هي فالإجماع على قبولها قطعاً بالسمع لوجود النص المتواتر بذلك كقوله تعالى : * ( قل للذين كفروا وإن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) * ( الأنفال : 38 ) بخلاف ما جاء في توبة