الآلوسي
152
تفسير الآلوسي
فقالت : زدني ، فأنشد : وفينا رسول الله يتلو كتابه * كما لاح معروف من الصبح ساطع أتى بالهدى بعد العمى فنفوسنا * به موقنات إن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه * إذا رقدت بالكافرين المضاجع فقالت : زدني ، فأنشد : شهدت بأن وعد الله حق * وأن النار مثوى الكافرينا وأن محمداً يدعو بحق * وأن الله مولى المؤمنينا وأن العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش رب العالمينا ويحمله ملائكة شداد * ملائكة الإله مسومينا فقالت : أما إذ قرأت القرآن فقد صدقتك ، وفي رواية أنها قالت - وقد كانت رأته على ما تكره - إذن صدق الله وكذب بصري ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فتبسم ، وقال : " خيركم خيركم لنسائه " . * ( إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَالِكَ ظَهِيرٌ ) * . * ( إنْ تَتُوبَا إلَى الله ) * خطاب لحفصة . وعائشة رضي الله تعالى عنهما على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في المعاتبة فإن المبالغ في العتاب يصير المعاتب أولاً بعيداً عن ساحة الحضور ، ثم إذا اشتد غضبه توجه إليه وعاتبه بما يريد ، وكون الخطاب لهما لما أخرج أحمد . والبخاري . ومسلم . والترمذي . وابن حبان . وغيره عن ابن عباس قال : لم أزل حريصاً أن أسأل عمر رضي الله تعالى عنه عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى : * ( إن تتوبا ) * الخ حتى حج عمر وحججت معه فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالأداوة فنزل ثم أني صببت على يديه فتوضأ فقلت : يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى : * ( إن تتوبا ) * الخ ؟ فقال : واعجباً لك يا ابن عباس هما عائشة . وحفصة ثم أنشأ يحدثني الحديث الحديث بطوله ؛ ومعنى قوله تعالى : * ( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) * مالت عن الواجب من مخالفته صلى الله عليه وسلم بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه إلى مخالفته ، والجملة قائمة مقام جواب الشرط بعد حذفه ، والتقدير إن تتوبا فلتوبتكما موجب وسبب * ( فقد صغت قلوبكما ) * أو فحق لكما ذلك فقد صدر ما يقتضيها وهو على معنى فقد ظهر أن ذلك حق كما قيل في قوله : إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة من أنه بتأويل تبين أني لم تلدني لئيمة ، وجعلها ابن الحاجب جواباً من حيث الإعلام كما قيل في : إن تكرمني اليوم فقد أكرمتك أمس ، وقيل : الجواب محذوف تقديره يمح إثمكما ، وقوله تعالى : * ( فقد صغت ) * الخ بيان لسبب التوبة ، وقيل : التقدير فقد أديتما ما يجب عليكما أو أتيتما بما يحق لكما ، وما ذكر دليل على ذلك قيل : وإنما لم يفسروا * ( فقد صغت قلوبكما ) * بمالت إلى الواجب . أو الحق . أو الخير حتى يصح جعله جواباً من غير احتياج إلى نحو ما تقدم لأن صيغة الماضي - وقد - وقراءة ابن مسعود - فقد زاغت قلوبكما - وتكثير المعنى مع تقليل اللفظ تقتضي ما سلف ، وتعقب بأنه إنما يتمشى على ما ذهب إليه ابن مالك من أن الجواب يكون ماضياً وإن لم يكن لفظ كان ، وفيه نظر ، والجمع في * ( قلوبكما ) * دون التثنية لكراهة اجتماع تثنيتين مع ظهور المراد ، وهو في مثل ذلك أكثر استعمالاً من التثنية والإفراد ، قال أبو حيان : لا يجوز عند أصحابنا إلا في الشعر كقوله :