الآلوسي
124
تفسير الآلوسي
القول على ظاهره وهو حسن إلا أن التغابن فيه تغابن السعداء والأشقياء على التقابل ، والأحسن الإطلاق ، وتغابن السعداء على الزيادة ثبت في الصحاح ، واختار ذلك محي السنة حيث قال : التغابن تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ ، والمراد بالمغبون من غبن في أهله ومنازله في الجنة فيظهر يومئذٍ غبن كل كافر بترك الإيمان وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان ، قال الطيبي : وعلى هذا الراغب حيث قال : الغبن أن يبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضرب من الإخفاء فإن كان ذلك في مال يقال : غبن فلان بضم الغين وكسر الباء ، وإن كان في رأي يقال : غبن بفتح الغين وكسر الباء ، و * ( يوم التغابن ) * يوم القيامة لظهور الغبن في المبايعة المشار إليها بقوله تعالى : * ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ) * ( البقرة : 207 ) وقوله سبحانه : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ) * وقوله عز وجل : * ( الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ) * ( آل عمران : 77 ) فعلم أنهم قد غبنوا فيما تركوا من المبايعة وفيما تعاطوه من ذلك جميعاً انتهى ، والجملة مبتدأ وخبر ، والتعريف للجنس ، وفيها دلالة على استعظام ذلك اليوم وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في أمور الدنيا وإن جلت وعظمت . * ( وَمَن يُؤْمنْ بالله وَيَعْمَلْ صَالحاً ) * أي عملاً صالحاً * ( يُكَفِّرْ ) * أي الله تعالى * ( عَنْهُ سَيِّئَاته ) * في ذلك اليوم * ( وَيُدْخلْهُ جَنَّات تَجْري منْ تَحْتهَا الأَنْهَارُ خَالدينَ فيهَا أَبَداً ) * أي مقدرين الخلود فيها ، والجمع باعتبار معنى * ( من ) * كما أن الإفراد باعتبار لفظه ، وقرأ الأعرج . وشيبة . وأبو جعفر . وطلحة . ونافع . وابن عامر . والمفضل عن عاصم . وزيد بن علي . والحسن بخلاف عنه - نكفر . وندخله - بنون العظمة فيهما * ( ذَلكَ ) * أي ما ذكر من تكفير السيئات وإدخال الجنات * ( الفَوْزُ العَظيمُ ) * الذي لا فوز وراءه لانطوائه على النجاة من أعظم الهلكات والظفر بأجل الطلبات . * ( والَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ باايَاتِنَآ أُوْلَائِكَ أَصْحَابالنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) * . * ( وَالَّذينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بأَيَتنَا أُوَلائكَ أصْحَابالنَّار خَالدينَ فيهَا وَبئْسَ المَصيرُ ) * أي النار ، وكأن هذه الآية - والتي قبلها لاحتوائهما على منازل السعداء والأشقياء - بيان للتغابن على تفسيره بتغابن الفريقين على التقابل ولما فيه من التفصيل نزل منزلة المغاير فعطف بالواو وكذا على الإطلاق لكنه عليه بيان في الجملة . * ( مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن باللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) * . * ( مَا أَصَابَ من مُّصيبَة ) * أي ما أصاب أحداً مصيبة على أن المفعول محذوف ، و * ( من ) * زائدة ، و * ( مصيبة ) * فاعل ، وعدم إلحاق التاء في مثل ذلك فصيح لكن الإلحاق أكثر كقوله تعالى : * ( ما تسبق من أمة أجلها ) * ( الحجر : 5 ) * ( وما تأتيهم من آية ) * ( الأنعام : 4 ) والمراد - بالمصيبة - الرزية وما يسوء العبد في نفس . أو مال . أو ولد . أو قول . أو فعل أي ما أصاب أحداً من رزايا الدنيا أي رزية كانت * ( إلاَّ بإذْن الله ) * أي بإرادته سبحانه وتمكينه عز وجل كأن الرزية بذاتها متوجهة إلى العبد متوقفة على إرادته تعالى وتمكينه جل وعلا ، وجوز أن يراد - بالمصيبة - الحادثة من شر أو خير ، وقد نصوا على أنها تستعمل فيما يصيب العبد من الخير وفيما يصيبه من الشر لكن قيل : إنها في الأول : من الصوب أي المطر ، وفي الثاني : من إصابة السهم ، والأول هو الظاهر ، وإن كان الحكم بالتوقف على الإذن عاماً . * ( وَمَن يُؤْمنْ بالله يَهْد قَلْبَهُ ) * عند إصابتها للصبر والاسترجاع على ما قيل ، وعن علقمة للعلم بأنها من عند الله تعالى فيسلم لأمر الله تعالى ويرضى بها ، وعن ابن مسعود قريب منه ، وقال ابن عباس : * ( يهد قلبه ) * لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وقيل : * ( يهد قلبه ) * أي يلطف به ويشرحه لازدياد