الآلوسي

123

تفسير الآلوسي

في حيز الأمر ، وكذا قوله تعالى : * ( ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بمَا عَملْتُمْ ) * أي لتحاسبن وتجزون بأعمالكم ، وزيد ذلك لبيان تحقق أمر آخر متفرع على البعث منوط به ففيه أيضاً تأكيد له * ( وَذَلكَ ) * أي ما ذكر من البعث والجزاء * ( عَلَى الله يَسيرٌ ) * لتحقق القدرة التامة ، وقبول المادة ؛ والفاء في قوله تعالى : * ( فاامِنُواْ باللَّهِ وَرَسُولِهِ والنّورِ الَّذِىأَنزَلْنَا واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * . * ( فَأَمنُوا ) * مفصحة بشرط قد حذف ثقة بغاية ظهوره أي إذا كان الأمر كذلك * ( فآمنوا ) * . * ( بالله ) * الذي سمعتم ما سمعتم من شؤونه عز وجل * ( وَرَسُوله ) * محمد صلى الله عليه وسلم * ( وَالنّور الَّذي أَنْزَلْنَا ) * وهو القرآن ، فإنه بإعجازه بين بنفسه مبين لغيره كما أن النور كذلك ، والالتفات إلى نون العظمة لإبراز العناية بأمر الإنزال ، وفي ذلك من تعظيم شأن القرآن ما فيه * ( وَاللَّهُ بمَا تَعْمَلُونَ ) * من الامتثال بالأمر وتركه * ( خَبيرٌ ) * عالم بباطنه . والمراد كمال علمه تعالى بذلك ، وقيل : عالم بأخباره . * ( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن باللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَ‍اتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) * . * ( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ) * ظرف * ( لتنبؤن ) * وقوله تعالى : * ( وذلك على الله يسير ) * ( التغابن : 7 ) وقوله سبحانه : * ( فآمنوا ) * إلى * ( خبير ) * من الاعتراض ، فالأول : يحقق القدرة على البعث ، والثاني : يؤكد ما سيق له الكلام من الحث على الإيمان به وبما تضمنه من الكتاب وبمن جاء به ، وبالحقيقة هو نتيجة قوله تعالى : * ( لتبعثن ثم لتنبؤن ) * قدم على معموله للاهتمام فجرى مجرى الاعتراض ، وقوله سبحانه : * ( والله بما تعملون خبير ) * اعتراض في اعتراض لأنه من تتمة الحث على الإيمان كما تقول : اعمل إني غير غافل عنك ، وقال الحوفي : ظرف - لخبير - وهو عند غير واحد من الأجلة بمعنى مجازيكم فيتضمن الوعد والوعيد . وجعله الزمخشري بمعنى معاقبكم ، ثم جوز هذا الوجه ، وتعقب بأنه يرد عليه أنه ليس لمجرد الوعيد بل للحث كيف لا والوعيد قد تم بقوله تعالى : * ( لتنبؤن بما عملتم ) * ( التغابن : 7 ) فلم يحسن جعله بمعنى معاقبكم فتدبر ، وجوز كونه منصوباً بإضمار اذكر مقدراً ، وتعقب بأنه وإن كان حسناً إلا أنه حذف لا قرينة ظاهرة عليه ، وجوز كونه منصوباً بإضمار اذكر مقدراً ، وتعقب بأنه وإن كان حسناً إلا أنه حذف لا قرينة ظاهرة عليه ، وجوز كونه ظرفاً لمحذوف بقرينة السياق أي يكون من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال يوم يجمعكم ، وتعقب بأن فيه ارتكاب حذف لا يحتاج إليه ، فالأرجح الوجه الأول ، وقرئ * ( يجمعكم ) * بسكون العين ، وقد يسكن الفعل المضارع المرفوع مع ضمير جمع المخاطبين المنصوب ، وروي إشمامها الضم ، وقرأ سلام . ويعقوب . وزيد بن علي . والشعبي - نجمعكم - بالنون * ( ليَوْم الجَمْع ) * ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، وقيل : الملائكة عليهم السلام والثقلان ، وقيل : غير ذلك ، والأول أظهر ، واللام قيل : للتعليل ، وفي الكلام مضاف مقدر أي لأجل ما في يوم الجمع من الحساب ، وقيل : بمعنى في فلا تقدير * ( ذَلكَ يَوْمُ التَّغَابُن ) * أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة أنهم قالوا : يوم غبن فيه أهل الجنة أهل النار فالتفاعل فيه ليس على ظاهره كما في التواضع والتحامل لوقوعه من جانب واحد ، واختير للمبالغة ، وإلى هذا ذهب الواحدي . وقال غير واحد : أي يوم غبن فيه بعض الناس بعضاً بنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس ، ففي الصحيح " ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً ، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة " وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة ، وفيه تهكم بالأشقياء لأنهم لا يغبنون حقيقة السعداء بنزولهم في منازلهم من النار ، أو جعل ذلك تغابناً مبالغة على طريق المشاكلة فالتفاعل على هذا