الآلوسي
35
تفسير الآلوسي
كل بعض سائلاً ومسؤولاً لا أنه يسأل بعض معين منهم بعضاً آخر معيناً ثم هذا التساؤل في الجنة كما هو الظاهر ، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه إذا بعثوا في النفخة الثانية ولا أراه يصح عنه لبعده جداً . * ( قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِىأَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ) * . * ( قَالُواْ ) * أي المسؤولون وهم كل واحد منهم في الحقيقة * ( إنَّا كُنَّا قَبْلُ ) * أي قبل هذا الحال * ( في أَهْلَنا مُشْفقينَ ) * أرقاء القلوب خائفين من عصيان الله عز وجل معتنين بطاعته سبحانه ، أو وجلين من العاقبة ، و * ( في أهلنا ) * قيل : يحتمل أنه كناية عن كون ذلك في الدنيا ، ويحتمل أن يكون بياناً لكون إشفاقهم كان فيهم وفي أهلهم لتبعيتهم لهم في العادة ويكون قوله تعالى : * ( فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ) * . * ( فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ) * أي بالرحمة والتوفيق * ( وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُوم ) * أي عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم وهو الريح الحارة المعروفة ، ووجه الشبه وإن كان في النار أقوى لكنه في ريح السموم لمشاهدته في الدنيا أعرف فلذا جعل مشبهاً به ، وقال الحسن : * ( السموم ) * اسم من أسماء جهنم عاماً لهم ولأهلهم ، فالمراد بيان ما منّ الله تعالى به عليهم من اتباع أهلهم لهم ، وقيل : ذكر * ( في أهلنا ) * لإثبات خوفهم في سائر الأوقات والأحوال بطريق الأولى فإن كونهم بين أهليهم مظنة الأمن ولا أرى فيه بأساً ، نعم كون ذلك لأن السؤال عما اختصوا به من الكرامة دون أهليهم ليس بشيء ، وقيل : لعل الأولى أن يجعل ذلك إشارة إلى الشفقة على خلق الله تعالى كما أن قوله عز وجل : * ( إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) * . * ( إنَّا كُنَّا من قَبْلُ نَدْعُوهُ ) * إلى آخره إشارة إلى التعظيم لأمر الله تعالى وترك العاطف بجعل الثاني بياناً للأول ادعاءاً للمبالغة في وجوب عدم انفكاك كل منهما للآخر ولا يخفى ما فيه ، والذي يظهر أن هذا إشارة إلى الرجاء وترك العطف لقصد تعداد ما كانوا عليه أي إنا كنا من قبل ذلك نعبده تعالى ونسأله الوقاية * ( إنَّهُ هُوَ الْبَرُّ ) * أي المحسن كما يدل عليه اشتقاقه من البر بسائر مواده لأنها ترجع إلى الإحسان - كبرّ في يمينه - أي صدق لأن الصدق إحسان في ذاته ويلزمه الإحسان للغير ، وأبرّ الله تعالى حجة أي قبله لأن القبول إحسان وزيادة ، وأبرّ فلان على أصحابه أي علاهم لأنه غالباً ينشأ عن الإحسان لهم فتفسيره باللطيف كما روي عن ابن عباس ، أو العالي في صفاته ، أو خالق البرّ ، أو الصادق فيما وعد أولياءه كما روي عن ابن جريج بعيد إلا أن يراد بعض ما صدقات ، أو غايات ذلك البر ؟ * ( الرَّحيمُ ) * الكثير الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب ، وقرأ أبو حيوة * ( ووقانا ) * بتشديد القاف ، والحسن . وأبو جعفر . ونافع . والكسائي * ( أنه ) * بفتح الهمزة لتقدير لام الجر التعليلية قبلها أي لأنه . * ( فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ ) * . * ( فَذَكِّرْ ) * فاثبت على ما أنت عليه من التذكير بما أنزل عليك من الآيات والذكر الحكيم ولا تكترث بما يقولون مما لا خير فيه من الأباطيل . * ( فَمَا أَنتَ بنعْمَت رَبِّكَ بكَاهن ) * هو الذي يخبر بالغيب بضرب من الظن ، وخص الراغب الكاهن بمن يخبر بالأخبار الماضية الخفية كذلك ، والعرّاف بمن يخبر بالأخبار المستقبلة كذلك ، والمشهور في الكهانة الاستمداد من الجن في الإخبار عن الغيب ، والباء في * ( بكاهن ) * مزيدة للتأكيد أي ما أنت كاهن * ( وَلاَ مَجْنُون ) * واختلف في باء * ( بنعمة ) * فقال أبو الباقء : للملابسة ؛ والجار والمجرور في موضع الحال والعامل فيه كاهن ، أو مجنون ، والتقدير ما أنت كاهن ولا مجنون ملتبساً بنعمة ربك وهي حال لازمة لأنه عليه الصلاة والسلام ما زال ملتبساً بنعمة ربه عز وجل ، وقيل : للقسم فنعمة ربك مقسم به ، وجواب القسم ما علم من الكلام وهو - ما أنت بكاهن ولا مجنون - وهذا كما تقول : ما زيد والله بقائم وهو بعيد ، والأقرب عندي أن الباء للسببية