الآلوسي

36

تفسير الآلوسي

وهو متعلق بمضمون الكلام ، والمعنى انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله تعالى عليك ، وهذا كما تقول ما أنا معسر بحمد الله تعالى وإغنائه ، والمراد الرد على قائل ذلك ، وإبطال مقالتهم فيه عليه الصلاة والسلام وإلا فلا امتنان عليه صلى الله عليه وسلم بانتفاء ما ذكر مع انتفائه عن أكثر الناس ، وقيل : الامتنان بانتفاء ذلك بسبب النعمة المراد بها ما أوتيه صلى الله عليه وسلم من صدق النبوة ورجاحة العقل التي لم يؤتها أحد قبله ، والقائلون بذلك هم الكفرة قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون ، وممن قال كاهن : شيبة بن ربيعة ، وممن قال مجنون : عقبة بن أبي معيط . * ( أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ) * . * ( أَمْ يَقُولُونَ ) * أي بل أيقولون * ( شَاعرٌ ) * أي هو شاعر * ( نَّتَرَبَّصُ ) * أي ننتظر * ( به رَيْبَ الْمَنُون ) * أي الدهر ، وهو فعول من المنّ بمعنى القطع لأنه يقطع الأعمار وغيرها ، ومنه حبل منين أي مقطوع ، والريب مصدر رابه إذا أقلقه أريد به حوادث الدهر وصروفه لأنها تقلق النفوس وعبر عنها بالمصدر مبالغة ، وجوز أن يكون من راب عليه الدهر أي نزل ، والمراد بنزوله إهلاكه ، وتفسير المنون بالدهر مروى عن مجاهد . وعليه قول الشاعر : " تربص بها ريب المنون " لعلها * تطلق يوماً أو يموت حليلها وبيت أبي ذؤيب . أمن " المنون وريبة " يتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع قيل : ظاهره ذلك ؛ وكذلك قول الأعشى : أأن رأت رجلاً أعضى أضرّ به * " ريب المنون " ودهر متبل خبل ولهذا أنشده الجوهري شاهداً له ، وأخرج ابن جرير . وغيره عن ابن عباس تفسيره بالموت وهو مشتكر بين المعنيين فقد قال المرزوقي في شرح بيت أبي ذؤيب المار آنفاً : المنون قد يراد به الدهر فيذكر وتكون الرواية ريبه ، وقد يراد به المنية فيؤنث ، وقد روى ريبها ، وقد يرجع له ضمير الجمع لقصد أنواع المنايا وريبها نزولها انتهى فلا تغفل ، وهو أيضاً من المنّ بمعنى القطع فإنها قاطعة الأماني واللذات ، ولذا قيل : المنية تقطع الأمنية ، وريب المنون عليه نزول المنية ، وجوز أن يكون بمعنى حادث الموت على أن الإضافة بيانية ، روي أن قريشاً اجتمعت في دار الندوة وكثرت آراؤهم فيه عليه الصلاة والسلام حتى قال قائل منهم وهم بنو عبد الدار - كما قال الضحاك - تربصوا به ريب المنون فإنه شاعر سيهلك كما هلك زهير . والنابغة . والأعمشى فافترقوا على هذه المقالة فنزلت ، وقرأ زيد بن علي * ( يتربص ) * بالياء مبنياً للمفعول ، وقرئ * ( ريب ) * بالرفع على النيابة . * ( قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّى مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ) * . * ( قُلْ تَرَبَّصُواْ ) * تهكم بهم ، وتهديد لهم * ( فَإنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصينَ ) * أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي ، وفيه عدة كريمة بإهلاكهم . * ( أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَاذَآ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) * . * ( أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُم ) * أي عقولهم وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي - وذلك على ما قال الجاحظ - لأن جميع العالم يأتونهم ويخالطونهم وبذلك يكمل العقل وهو يكمل بالمسافرة وزيادة رؤية البلاد المختلفة والأماكن المتباينة ومصاحبة ذوي الأخلاق المتفاوتة وقد حصل لهم الغرض بدون مشقة ، وقيل لعمرو بن العاص : ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله تعالى بالعقل ؟ ! فقال : تلك عقول كادها الله عز وجل أي لم يصحبها التوفيق فلذا لم يؤمنوا وكفروا - وأنا لا أرى في الآية دلالة على رجحان عقولهم -